بَعْضُهُمْ: يَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَمِنْ أَفْسَدَ قَالَ: لَا يَصِحُّ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّهُ شَرَطَ الْعَمَلَ فِي الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ شَرَطَ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ.
وَالثَّالِثُ، أَنَّهُ شَرَطَ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَسْلِيمُهُ مَقْطُوعًا.
وَمَنْ أَجَازَهُ قَالَ: هَذَا بَيْعٌ، وَإِجَارَةٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ الزَّرْعَ، وَآجَرَهُ نَفْسَهُ عَلَى حَصَادِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ، فَإِذَا جَمَعَهُمَا جَازَ، كَالْعَيْنَيْنِ.
وَقَوْلُهُمْ: شَرَطَ الْعَمَلَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ.
يَبْطُلُ بِشَرْطِ رَهْنِ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي، يَبْطُلُ بِشَرْطِ الرَّهْنِ، وَالْكَفِيلِ، وَالْخِيَارِ.
وَالثَّالِثُ، لَيْسَ بِتَأْخِيرٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ قَائِمًا، وَلِأَنَّ الشَّرْطَ مِنْ الْمُتَسَلِّمِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ.
فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي صَحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْبَيْعُ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَنْتَقِلُ فِي الْبَيْعِ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْنَا: كَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الشِّقْصِ، وَالسَّيْفِ، وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ؛ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي الشِّقْصِ دُونَ السَّيْفِ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: إنَّ الْعَقْدَ هَاهُنَا يَبْطُلُ.
يَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشِبْهِهَا، مِمَّا يُفْضِي الشَّرْطُ فِيهِ إلَى التَّنَازُعِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ رُبَّمَا أَرَادَ قَطْعَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، لِيَبْقَى لَهُ مِنْهَا بَقِيَّةٌ، وَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ الِاسْتِقْصَاءَ عَلَيْهَا، لِيَزِيدَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ، فَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ، وَهُوَ مَفْسَدَةٌ، فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا أَشْبَهَهُ، مِنْ اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْمَذْهَبَ، أَنَّهُ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَوْبًا، وَيَشْتَرِطَ عَلَى بَائِعِهِ خِيَاطَتَهُ قَمِيصًا، أَوْ قَلْعَة، وَيَشْتَرِطَ حَذْوَهَا نَعْلًا، أَوْ جُرْزَةَ حَطَبٍ، وَيَشْتَرِطَ حَمْلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَغَيْرِهِ.
حَتَّى قَالَ الْقَاضِي: لَمْ أَجِدْ بِمَا قَالَ الْخِرَقِيِّ رِوَايَةً فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ اشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ جُرْزَةَ حَطَبٍ، وَشَارَطَهُ عَلَى حَمْلِهَا.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ قَلْعَةً، وَيَشْتَرِطَ عَلَى الْبَائِعِ تَشْرِيكَهَا.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمَا أَبْطَلَا الْعَقْدَ بِهَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَرُوِيَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعٍ، وَشَرْطٍ} .
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ، وَشَرْطٍ.
إنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ.
وَهَذَا دَالٌّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَازِ الشَّرْطِ الْوَاحِدِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا النَّهْيُ عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، أَمَّا الشَّرْطُ الْوَاحِدُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(2919) فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَنْفَعَةِ مَعْلُومَةً لَهُمَا، لِيَصِحَّ اشْتِرَاطُهَا، لِأَنَّنَا نَزَّلْنَا ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْإِجَارَةِ. فَلَوْ اشْتَرَطَ حَمْلَ الْحَطَبِ إلَى مَنْزِلِهِ، وَالْبَائِعُ لَا يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ، لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ اشْتَرَطَ حَذْوَهَا نَعْلًا، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ صِفَتِهَا، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً. قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي النَّعْلَ، عَلَى أَنْ يَحْذُوَهَا: جَائِزٌ إذَا أَرَادَ الشِّرَاكَ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَهُ، أَوْ بِمَوْتِ الْبَائِعِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِعِوَضِ ذَلِكَ. وَإِنْ تَعَذَّرَ بِمَرَضٍ أُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ، وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِنَا فِي الْإِجَارَةِ.