فهرس الكتاب

الصفحة 1140 من 3896

خَصَّصْنَاهُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى الْعُمُومِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ، فَجَازَ جُزَافًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ حَقِيقَةُ الْفَضْلِ لَا يَمْنَعُ، فَاحْتِمَالُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعًا، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ ; وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: {نَهَى أَنْ تُبَاعَ الصُّبْرَةُ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا مِنْ التَّمْرِ، بِالصُّبْرَةِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا مِنْ التَّمْرِ} .

ثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحِلَّ النِّزَاعِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمَكِيلَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ، فَمُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ مُجَازَفَةً ; لِفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمَشْرُوطَةِ، وَفِي الْجِنْسَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ التَّمَاثُلُ، وَلَا يُمْنَعُ حَقِيقَةُ التَّفَاضُلِ، فَاحْتِمَالُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعًا.

(2811) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ. وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَعْلَمَانِ كَيْلَهُمَا، لَمْ يَصِحَّ ; لِمَا ذَكَرْنَا.

وَإِنْ عَلِمَا كَيْلَهُمَا وَتُسَاوِيهِمَا، صَحَّ الْبَيْعُ ; لِوُجُودِ التَّمَاثُلِ الْمُشْتَرَطِ. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ. فَكِيلَتَا فَكَانَتَا سَوَاءٌ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا فَلَا.

وَإِنْ بَاعَ صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، صَحَّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ جُزَافًا. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ. فَكِيلَتَا فَكَانَتَا سَوَاءً، صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ زَادَتْ إحْدَاهُمَا فَرَضِيَ صَاحِبُ النَّاقِصَةِ بِهَا مَعَ نَقْصِهَا، أَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الزَّائِدَةِ بِرَدِّ الْفَضْلِ عَلَى صَاحِبِهِ، جَازَ، وَإِنْ امْتَنَعَا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا. ذَكَرَ هَذَا الْفَصْلَ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

(2812) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ قَسْمُ الْمَكِيلِ وَزْنًا، وَقَسْمُ الْمَوْزُونِ كَيْلًا، وَقَسْمُ الثِّمَارِ خَرْصًا، وَقَسْمُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ; لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ، فَيَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ، وَيُمْنَعُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ ; لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا تَعَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ، فَقَدْ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِمَّا تَعَيَّنَ لَهُ بِنَصِيبِهِ فِيمَا تَعَيَّنَ لِشَرِيكِهِ.

وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ ; بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ تَعْدِيلِ السِّهَامِ، وَدُخُولِ الْقُرْعَةِ فِيهَا، وَلُزُومِهَا بِهَا، وَالْإِجْبَارِ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ بَيْعٍ وَلَا تَمْلِيكٍ، وَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، وَلَا تَجُوزُ إلَّا بِقَدْرِ الْحَقَّيْنِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا شُفْعَةٌ، وَتَخْتَصُّ بِاسْمٍ. وَتَغَايُرُ الْأَحْكَامِ وَالْأَسْمَاءِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا.

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَسَمَتْ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْغَنَائِمَ بالحجف. وَذَلِكَ كَيْلُ الْأَثْمَانِ بِمَحْضَرٍ مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُمْ، وَانْتَشَرَ فِي بَقِيَّتِهِمْ فَلَمْ يُنْكَرْ، فَصَارَ إجْمَاعًا عَلَى مَا قُلْنَاهُ.

(2813) فَصْلٌ: فِي مَعْرِفَةِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ بِالْحِجَازِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي كُلِّ بَلَدٍ بِعَادَتِهِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ} . وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى بَيَانِ الْأَحْكَامِ ; لِأَنَّ مَا كَانَ مَكِيلًا بِالْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ فِي تَفَاضُلِ الْكَيْلِ إلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا الْمَوْزُونُ، وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ بِالْحِجَازِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالْحِجَازِ، كَمَا أَنَّ الْحَوَادِثَ تُرَدُّ إلَى أَشْبَهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ.

وَالثَّانِي، يُعْتَبَرُ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الشَّرْعِ حَدٌّ كَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالْقَبْضِ، وَالْإِحْرَازِ، وَالتَّفَرُّقِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَلَى هَذَا إنْ اخْتَلَفَتْ الْبِلَادُ، فَالِاعْتِبَارُ بِالْغَالِبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبٌ بَطَلَ هَذَا الْوَجْهُ، وَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ. وَمَذْهَبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت