فهرس الكتاب

الصفحة 1096 من 3896

فَصْلٌ: وَإِذْ أَوْجَبَ هَدْيًا فَلَهُ إبْدَالُهُ بِخَيْرِ مِنْهُ، وَبَيْعُهُ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ خَيْرًا مِنْهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا إبْدَالُهُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّقَبَةِ، وَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، فَمُنِعَ الْبَيْعُ، كَالِاسْتِيلَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بِخَيْرِ مِنْهُ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فِي الْفَرْضِ، وَهُوَ الزَّكَاةُ، يَجُوزُ فِيهَا الْإِبْدَالُ، كَذَلِكَ هَذَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ زَالَ مِلْكُهُ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بِالْهَلَاكِ، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ إذَا زَالَتْ. وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمُدَبَّرَةِ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ مُدَبَّرًا. أَمَّا إبْدَالُهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا، فَلَمْ يَجُزْ ; لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ.

(2715) فَصْلٌ: إذَا وَلَدَتْ الْهَدِيَّةُ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا إنْ أَمْكَنَ سَوْقُهُ وَإِلَّا حَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهَا، وَسَقَاهُ مِنْ لَبَنِهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَوْقُهُ وَلَا حَمْلُهُ، صَنَعَ بِهِ مَا يَصْنَعُ بِالْهَدْيِ إذَا عَطِبَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا عَيَّنَهُ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ مَا عَيَّنَهُ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِهِ.

وَقَالَ الْقَاضِي، فِي الْمُعَيَّنِ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتْبَعَهَا وَلَدُهَا ; لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ وَاحِدٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ اثْنَانِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ وَلَدُ هَدْيٍ وَاجِبٍ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَالْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً.

وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَذْفٍ: أَتَى رَجُلٌ عَلِيًّا بِبَقَرَةٍ قَدْ أَوْلَدَهَا، فَقَالَ لَهُ: لَا تَشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى ضَحَّيْت بِهَا وَوَلَدِهَا عَنْ سَبْعَةٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ. وَإِنْ تَعَيَّنَتْ الْمُعَيَّنَةُ عَنْ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ، وَقُلْنَا: يَذْبَحُهَا. ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا ; لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا.

وَإِنْ قُلْنَا: يَبْطُلُ تَعْيِينُهَا، وَتَعُودُ إلَى مَالِكِهَا. احْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ التَّعْيِينُ فِي وَلَدِهَا تَبَعًا، كَنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَبْطُلَ، وَيَكُونَ لِلْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّهُ تَبِعَهَا فِي الْوُجُوبِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا، وَلَمْ يَتْبَعْهَا فِي زَوَالِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا، كَوَلَدِ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ إذَا وَلَدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ رَدَّهُ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ فِي وَلَدِهِ، وَالْمُدَبَّرَةُ إذَا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا، فَبَطَلَ تَدْبِيرُهَا، لَا يَبْطُلُ فِي وَلَدِهَا.

(2716) فَصْلٌ: وَلِلْمُهْدِي شُرْبُ لَبَنِ الْهَدْيِ ; لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي الضَّرْعِ يَضُرُّ بِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَا وَلَدٍ، لَمْ يَشْرَبْ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهِ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَإِنْ شَرِبَ مَا يَضُرُّ بِالْأُمِّ، أَوْ مَا لَا يَفْضُلُ عَنْ الْوَلَدِ، ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِأَخْذِهِ.

وَإِنْ كَانَ صُوفُهَا يَضُرُّ بِهَا بَقَاؤُهُ، جَزَّهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّبَنِ، أَنَّ الصُّوفَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ إيجَابِهَا، فَكَانَ وَاجِبًا مَعَهَا، وَاللَّبَنَ مُتَجَدِّدٌ فِيهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، فَهُوَ كَنَفْعِهَا وَرُكُوبِهَا.

(2717) فَصْلٌ وَلَهُ رُكُوبُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهِ. قَالَ: أَحْمَدُ: لَا يَرْكَبُهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ; {لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْت إلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْمَسَاكِينِ، فَلَمْ يَجُزْ رُكُوبُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، كَمِلْكِهِمْ. فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ ; لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، أَنَّ رَسُولَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت