فهرس الكتاب

الصفحة 1084 من 3896

مُعْسِرًا.

وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ أَوَّلًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ.

وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ.

وَهَذَا أَوْكَدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ.

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ لِيَعْدِلَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ.

هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي عِيَاضٍ.

وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} .

"وَأَوْ"فِي الْأَمْرِ لِلتَّخْيِيرِ.

رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ أَوْ أَوْ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ.

وَأَمَّا مَا كَانَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَهُوَ الْأَوَّلُ الْأَوَّلُ.

وَلِأَنَّ عَطْفَ هَذِهِ الْخِصَالِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِأَوْ، فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَتِهَا كَفِدْيَةِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الطَّعَامَ كَفَّارَةً، وَلَا يَكُونُ كَفَّارَةً مَا لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُهُ، وَجَعْلُهُ طَعَامًا لِلْمَسَاكِينِ، وَأَلَّا يَجُوزَ صَرْفُهُ إلَيْهِمْ لَا يَكُونُ طَعَامًا لَهُمْ، وَعَطَفَ الطَّعَامَ عَلَى الْهَدْيِ، ثُمَّ عَطَفَ الصِّيَامَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ.

وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ ذُكِرَ فِيهَا الطَّعَامُ، فَكَانَ مِنْ خِصَالِهَا، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.

وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا وَجَبَتْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ.

يَبْطُلُ بِفِدْيَةِ الْأَذَى.

عَلَى أَنَّ لَفْظَ النَّصِّ صَرِيحٌ فِي التَّخْيِيرِ، فَلَيْسَ تَرْكُ مَدْلُولِهِ قِيَاسًا عَلَى هَدْيِ الْمُتْعَةِ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، فَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فِي التَّخْيِيرِ عَلَى هَذَا، لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَرْكِ النَّصِّ، كَذَا هَاهُنَا.

(2683) الْفَصْلُ الثَّانِي إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ، ذَبَحَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .

وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ

(2684) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ مَتَى اخْتَارَ الْإِطْعَامَ، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.

وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لَا الْمِثْلَ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إذَا وَجَبَ لِأَجْلِ الْإِتْلَافِ، قُوِّمَ الْمُتْلَفُ، كَاَلَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ.

وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا تَلِفَ وَجَبَ فِيهِ الْمِثْلُ إذَا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِهِ، كَالْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَيَعْتَبِرُ قِيمَةَ الْمِثْلِ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ إحْرَامَهُ، وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ الْقِيمَةُ مِنْهَا، وَالطَّعَامُ الْمُخْرَجُ هُوَ الَّذِي يُخْرَجُ فِي الْفِطْرَةِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى، وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَ كُلُّ مَا يُسَمَّى طَعَامًا؛ لِدُخُولِهِ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ الْبُرِّ، كَمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَصْنَافِ فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.

نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ فِي إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْفِدْيَةِ، وَجَزَاءِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: إنْ أَطْعَمَ بُرًّا، فَمُدُّ طَعَامٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.

وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.

وَأَطْلَقَ الْخِرَقِيِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ.

وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ، إذْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِي مَوْضِعٍ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي طُعْمَةِ الْمَسَاكِينِ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ، فَيُرَدُّ إلَى نَظَائِرِهِ.

وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجٌ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ قِيمَة الْهَدْيِ الْوَاجِبِ لَهُمْ فَيَكُونُ أَيْضًا لَهُمْ، كَقِيمَةِ الْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت