وَعَطَاءً قَالَا فِيهِ ذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: صَاعٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: قِيمَتُهُ مِنْ الطَّعَامِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; فَإِنَّ قَضَاءَ عُمَرَ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ غَيْرِهِ، وَالْجَدْيُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الشَّاةِ.
وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ. قَضَى بِهِ عُمَرُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِيهِ حَمَلٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيهِ شَاةٌ. وَقَضَاءُ عُمَرَ أَوْلَى. وَالْعَنَاقُ: الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ، وَالذَّكَرُ جَدْيٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} . فَيَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ النَّعَمِ، مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ، لَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَضَاءَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ بِالْمِثْلِ فِي الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَكَمِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الضَّبِّ، وَلَمْ يَسْأَلْ أَفَقِيهٌ هُوَ أَمْ لَا ؟ لَكِنْ تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ ; لِأَنَّهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي قَبُولِ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ فِي سَائِرِ الْأَمَاكِنِ، وَتُعْتَبَرُ الْخِبْرَةُ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إلَّا مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ، وَلِأَنَّ الْخِبْرَةَ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ شَرْطٌ فِي سَائِرِ الْحُكَّامِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَ الْعَدْلَيْنِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} . وَالْقَاتِلُ مَعَ غَيْرِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنَّا. وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ فِي"سُنَنِهِ"، وَالشَّافِعِيُّ، فِي"مُسْنَدِهِ"، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَأُوطَأْ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ ضَبًّا، فَفَزَرَ ظَهْرَهُ، فَقَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلَهُ أَرْبَدُ، فَقَالَ لَهُ: اُحْكُمْ يَا أَرْبَدُ فِيهِ. قَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: إنَّمَا أَمَرْتُك أَنْ تَحْكُمَ، وَلَمْ آمُرْك أَنْ تُزَكِّيَنِي. فَقَالَ أَرْبَدُ: أَرَى فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ. قَالَ عُمَرُ: فَذَلِكَ فِيهِ. فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ وَهُوَ الْقَاتِلُ، وَأَمَرَ أَيْضًا كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَخْرُجُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَمِينًا فِيهِ، كَالزَّكَاةِ.
(2671) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: فِي كَبِيرِ الصَّيْدِ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ، وَفِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَفِي الذَّكَرِ ذَكَرٌ، وَفِي الْأُنْثَى أُنْثَى، وَفِي الصَّحِيحِ صَحِيحٌ، وَفِي الْمَعِيبِ مَعِيبٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الصَّغِيرِ كَبِيرٌ، وَفِي الْمَعِيبِ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} . وَلَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ صَغِيرٌ وَلَا مَعِيبٌ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَتْلِ حَيَوَانٍ، فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِصَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} . وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ اخْتَلَفَ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، كَالْبَهِيمَةِ، وَالْهَدْيُ فِي الْآيَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْمِثْلِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الضَّمَانِ بِمَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا، كَالْجَفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ. وَكَفَّارَةُ الْآدَمِيِّ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْهُ، وَلَا تَجْرِي مَجْرَى الضَّمَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا