فهرس الكتاب

الصفحة 1069 من 3896

يُجْزِئُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ، إلَّا الْبُرَّ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، مَكَانَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يُجْزِئُ إلَّا نِصْفُ صَاعٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أَوْ الْقِيَاسِ، وَالْفَرْعُ يُمَاثِلُ أَصْلَهُ وَلَا يُخَالِفُهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.

(2646) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، فَالْوَاجِبُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي، فَإِنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ حَلَقَ ثَانِيًا، فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَبِسَ ثُمَّ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ ثُمَّ تَطَيَّبَ، أَوْكَرَّرَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ اللَّاتِي لَا يَزِيدُ الْوَاجِبُ فِيهَا بِزِيَادَتِهَا، وَلَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، فَأَمَّا مَا يَتَقَدَّرُ الْوَاجِبُ بِقَدْرِهِ، وَهُوَ إتْلَافُ الصَّيْدِ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا جَزَاؤُهُ، وَسَوَاءٌ فَعَلَهُ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، وَلَا تَدَاخُلَ فِيهِ، فَفِعْلُ الْمَحْظُورَاتِ مُتَفَرِّقًا كَفِعْلِهَا مُجْتَمِعَةً فِي الْفِدْيَةِ، مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي.

وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ كَرَّرَهُ لَأَسْبَابٍ، مِثْلُ أَنْ لَبِسَ لِلْبَرْدِ، ثُمَّ لَبِسَ لِلْحَرِّ، ثُمَّ لَبِسَ لِلْمَرَضِ، فَكَفَّارَاتٌ، وَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، فِي مَنْ لَبِسَ قَمِيصًا وَجُبَّةً وَعِمَامَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، قُلْت لَهُ: فَإِنْ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً، ثُمَّ بَرِئَ، ثُمَّ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً ؟ فَقَالَ: هَذَا الْآنَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ.

وَعَنْ الشَّافِعِيّ كَقَوْلِنَا. وَعَنْهُ: لَا يَتَدَاخَلُ. وَقَالَ مَالِكٌ: تَتَدَاخَلُ كَفَّارَةُ الْوَطْءِ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَرَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ حُكْمُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.

وَلَنَا، أَنَّ مَا يَتَدَاخَلُ إذَا كَانَ بَعْضُهُ عَقِيبَ بَعْضٍ يَجِبُ أَنْ يَتَدَاخَلَ، وَإِنْ تَفَرَّقَ كَالْحُدُودِ وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دَفْعَةٍ أَوْ فِي دَفَعَاتٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَتَدَاخَلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

(2647) فَصْلٌ: فَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَلَا يَتَدَاخَلُ، وَيَجِبُ فِي كُلِّ صَيْدٍ جَزَاؤُهُ، سَوَاءٌ وَقَعَ مُتَفَرِّقًا أَوْ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَتَدَاخَلُ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ. وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} . وَمِثْلُ الصَّيْدَيْنِ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَجَبَ جَزَاؤُهُمَا، فَإِذَا تَفَرَّقَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ ; لِأَنَّ حَالَةَ التَّفْرِيقِ لَا تَنْقُصُ عَنْ حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ.

(2648) فَصْلٌ: إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فِي مُحْرِمٍ قَصَّ شَارِبَ حَلَالٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ شَعْرَ آدَمِي، فَأَشْبَهَ شَعْرَ الْمُحْرِمِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ شَعْرٌ مُبَاحُ الْإِتْلَافِ، فَلَمْ يَجِبْ بِإِتْلَافِهِ شَيْءٌ، كَشَعْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.

(2649) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِإِذْنِهِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ حُلِقَ رَأْسُهُ. وَكَذَلِكَ إنْ حَلَقَهُ حَلَالٌ بِإِذْنِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} . وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ هُوَ الَّذِي يَحْلِقُهُ، فَأَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ، وَجَعَلَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ.

وَإِنْ حَلَقَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا، فَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ. وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت