فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 3896

وَإِنْ كَانَ نِيئًا، فَنَسْخُ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِهِ نَسْخُ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ حَرَّمَتْ الْمَرْأَةُ لِلرَّضَاعِ، وَلِكَوْنِهَا رَبِيبَةً، فَنَسْخُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا لِتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ.

الثَّالِثُ، أَنَّ خَبَرَهُمْ عَامٌّ وَخَبَرَنَا خَاصٌّ، وَالْعَامُّ لَا يُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ ; لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ النَّسْخِ تَعَذُّرَ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ مُمْكِنٌ بِتَنْزِيلِ الْعَامِّ عَلَى مَا عَدَا مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.

الرَّابِعُ: أَنَّ خَبَرَنَا صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ، ثَبَتَتْ لَهُ قُوَّةُ الصِّحَّةِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَالْخُصُوصِ، وَخَبَرَهُمْ ضَعِيفٌ ; لِعَدَمِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ فِي خَبَرِكُمْ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابَ، فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ إذَا أُضِيفَ إلَى الطَّعَامِ، اقْتَضَى غَسْلَ الْيَدِ، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، وَخُصَّ ذَلِكَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ ; لِأَنَّ فِيهِ مِنْ الْحَرَارَةِ وَالزُّهُومَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ.

قُلْنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. الثَّانِي، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ هَذَا اللَّحْمِ، فَأَجَابَ بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ تَلْبِيسًا عَلَى السَّائِلِ، لَا جَوَابًا. الثَّالِثُ، أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَرَنَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ هَاهُنَا نَفْيُ الْإِيجَابِ لَا التَّحْرِيمِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْإِيجَابِ، لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ.

وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّ غَسْلَ الْيَدِ بِمُفْرَدِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ.

الثَّانِي: أَنَّ الْوُضُوءَ إذَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ، أَنَّهُ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِمَوْضُوعَاتِهِ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ حُكْمِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِهَا، وَالصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِهَا فَلَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ سِوَى الْوُضُوءِ الْمُرَادِ لِلصَّلَاةِ.

الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ غَسْلَ الْيَدِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ ; فَإِنَّ غَسْلَ الْيَدِ مِنْهُمَا مُسْتَحَبٌّ وَلِهَذَا قَالَ:"مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ". وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ زِيَادَةِ الزُّهُومَةِ فَأَمْرٌ يَسِيرٌ، لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ نَصْرِفُ بِهِ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ بِقَدْرِ قُوَّةِ الظَّوَاهِرِ الْمَتْرُوكَةِ، وَأَقْوَى مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ ; فَإِنَّهُ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى فِيهِ، وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ الْمَأْكُولَاتِ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي، لَا لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا، فَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا، وَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.

وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ مُخَالِفِينَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ تُخَالِفُ الْأُصُولَ ; فَأَبُو حَنِيفَةَ أَوْجَبَهُ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ خَارِجِهَا، بِحَدِيثٍ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَوْجَبَاهُ بِمَسِّ الذَّكَرِ، بِحَدِيثٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، مُعَارَضٍ بِمِثْلِهِ دُونَ مَسِّ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، وَتَرَكُوا هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ، مَعَ بُعْدِهِ عَنْ التَّأْوِيلِ، وَقُوَّةِ الدَّلَالَةِ فِيهِ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقِيَاسٍ طَرْدِيٍّ.

(266) فَصْلٌ: وَفِي شُرْبِ لَبَنِ الْإِبِلِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ; لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا"وَسُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ، فَقَالَ:"لَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت