فهرس الكتاب

الصفحة 1005 من 3896

فَصْلٌ: وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: (قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ) . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ عِنْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ التَّقْصِيرُ ; لِيَكُونَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: وَيُعْجِبُنِي إذَا دَخَلَ مُتَمَتِّعًا أَنْ يُقَصِّرَ ; لِيَكُونَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ.. وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ إلَّا بِالتَّقْصِيرِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: {أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا} . وَفِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَقَصَّرُوا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلِيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ حَلَقَ جَازَ ; لِأَنَّهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَجَازَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ التَّقْصِيرِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ إطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ، فَيَحِلُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ حَسْبُ. وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ تَرَكَ التَّقْصِيرَ أَوْ الْحَلْقَ، وَقُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ. فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّقْصِيرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عُمْرَتَهُ تَفْسُدُ ; لِأَنَّهُ وَطِىءَ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ. وَعَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ مُعْتَمِرَةٍ، وَقَعَ بِهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ. قَالَ: مَنْ تَرَكَ مِنْ مَنَاسِكِهِ شَيْئًا، أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا. قِيلَ: إنَّهَا مُوسِرَةٌ. قَالَ: فَلْتَنْحَرْ نَاقَةً. وَلِأَنَّ التَّقْصِيرَ لَيْسَ بِرُكْنٍ، فَلَا يَفْسُدُ النُّسُكُ بِتَرْكِهِ، وَلَا بِالْوَطْءِ قَبْلَهُ، كَالرَّمْيِ فِي الْحَجِّ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَبْلَ تَقْصِيرِهَا مِنْ عُمْرَتِهَا: تَذْبَحُ شَاةً. قِيلَ: عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا ؟ قَالَ: عَلَيْهَا هِيَ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ. فَإِنْ أَكْرَهَهَا، فَالدَّمُ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّقْصِيرِ، فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَيَصِيرُ قَارِنًا.

(2487) فَصْلٌ: يَلْزَمُ التَّقْصِيرُ أَوْ الْحَلْقُ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ، يُجْزِئُهُ الْبَعْضُ. مَبْنِيًّا عَلَى الْمَسْحِ فِي الطَّهَارَةِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَامِدٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ التَّقْصِيرُ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّقْصِيرِ ; لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} . وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بِهِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ فَوَجَبَ اسْتِيعَابُهُ بِهِ، كَالْمَسْحِ. فَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ مَضْفُورًا، قَصَّرَ مِنْ رُءُوسِ ضَفَائِرِهِ. كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: تُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ مِنْ جَمِيعِ قُرُونِهَا. وَلَا يَجِبُ التَّقْصِيرُ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِحَلْقِهِ.

(2488) فَصْلٌ: وَأَيُّ قَدْرٍ قَصَّرَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ الْأَقَلَّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يُقَصِّرُ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ; لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ قَصَّرَ الشَّعْرَ أَجْزَأَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ نَتَفَهُ، أَوْ أَزَالَهُ بِنَوْرَةٍ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَتُهُ، وَالْأَمْرُ بِهِ مُطْلَقٌ، فَيَتَنَاوَلُ، مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَيُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ. نَصَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت