قال - عليه الرحمة:
قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عن اليهود إثرَ ما عُدَّت سيئاتُهم ونُعيتْ عليهم جناياتُهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، والهمزةُ لإنكار الواقع واستبعادِه كما فِي قولك: أتضرِبُ أباك؟ لا لإنكار الوقوعِ كما فِي قولك: أأضرِبُ أبي؟ والفاء للعطف على مقدّرٍ يقتضيه المقامُ ويستدعيه نظامُ الكلام، لكن لا على قصد توجيهِ الإنكار إلى المعطوفين معاً كما فِي (أفلا تبصرون) على تقدير المعطوفِ عليه منفياً أي ألا تنظُرون فلا تبصرون؟ فالمُنْكَر كلا الأمرين بل إلى ترتب الثاني على الأول مع وجوب أن يترتَّبَ عليه نقيضُه كما إذا قُدِّر الأول مُثْبتاً، أي أتنظرون فلا تبصرون؟ فالمنْكَر ترتُّبُ الثاني على الأول مع وجوب أن يترتب عليه نقيضُه أي أتسمعون أخبارَهم وتعلمون أحوالَهم فتطمعون؟ ومآلُ المعنى: أبَعْدَ أنْ علِمتم تفاصيلَ شؤونِهم المُؤْيِسةِ عنهم تطمعون؟ {أَن يُؤْمِنُواْ} فإنهم متماثلون فِي شدة الشكيمةِ والأخلاقِ الذميمة، لا يتأتى من أخلافِهم إلا مثلُ ما أتى من أسلافِهم، وأنْ مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ، والأصلُ: فِي أن يؤمنوا، وهي مع ما فِي حيِّزها فِي محل النصبِ أو الجرِّ على الخلاف المعروف. واللام فِي (لَكُمْ) لتضمين معنى الاستجابة كما فِي قوله عز وجل: {فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ} أي فِي إيمانهم مستجيبين لكم، أو للتعليل أي فِي أن يُحدثوا الإيمان لأجل دعوتِكم، وصلةُ الإيمان محذوفةٌ لظهور أن المرادَ به معناه الشرعيُّ، وستقف على ما فيه من المزية بإذن الله تعالى {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ} الفريقُ اسمُ جمعٍ لا واحد له من لفظه كالرهط والقومِ، والجار والمجرور فِي محل الرفعِ، أي فريق كائنٌ منهم، وقوله تعالى: {يَسْمَعُونَ كلام الله} خبرُ كان وقرئ كلِمَ الله، والجملة حاليةٌ مؤكِّدة للإنكار حاسمةٌ لمادة الطمَع مثلُ أحوالِهم الشنيعةِ المحْكيةِ