وقد علم أنهم بعدما قبلوا التوراة، تولوا عنها بأمور، فحرّفوها، وتركوا العمل بها، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بالله، وعصوا أمره.
ومن ذلك ما اختص به بعضهم، وما عمله أوائلهم، وما عمله أواخرهم.
ولم يزالوا فِي التيه، مع مشاهدتهم الأعاجيب، يخالفون موسى، ويظاهرون بالمعاصي فِي عسكرهم، حتى خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم، وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور فِي تراجم التوراة التي يقرأون بها، ثم فعل ساحروهمم ما لا خفاء به، حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، والقرآن، وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة.
فالجملة معروفة، وذلك إخبار من الله عن أسلافهم.
فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وحالهم فِي كتابه ما ذكر.
والإشارة بذلك فِي قوله: {من بعد ذلك} إلى قبول ما أوتوه، أو إلى أخذ الميثاق والوفاء به، ورفع الجبل، أو خروج موسى من بينهم، أو الإيمان، أقوال. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 407}
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك} أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه وخالفتم، وأصل التولي الإعراض المحسوس ثم استعمل فِي الإعراض المعنوي كعدم القبول، ويفهم من الآية أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 281}
قوله تعالى {فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ الخاسرين}
فصل
قال الفخر:
ذكر القفال فِي تفسيره وجهين.
الأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا.