فصل
قال الفخر:
الشيء الذي من شأنه بأصل ذاته أن يقبل الأثر عن شيء آخر ثم إنه عرض لذلك القابل ما لأجله صار بحيث لا يقبل الأثر فيقال لذلك القابل: إنه صار صلباً غليظاً قاسياً، فالجسم من حيث إنه جسم يقبل الأثر عن الغير إلا أن صفة الحجرية لما عرضت للجسم صار جسم الحجر غير قابل وكذلك القلب من شأنه أن يتأثر عن مطالعة الدلائل والآيات والعبر وتأثره عبارة عن ترك التمرد والعتو والاستكبار وإظهار الطاعة والخضوع لله والخوف من الله تعالى، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار فِي عدم التأثر شبيهاً بالحجر فيقال: قسا القلب وغلظ، ولذلك كان الله تعالى وصف المؤمنين بالرِّقة فقال: {كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23] . انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 117}
[فائدة]
قال القرطبي:
قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك} القسوة: الصلابة والشدّة واليُبْس.
وهي عبارة عن خلوّها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى.
قال أبو العالية وقتادة وغيرهما: المراد قلوب جميع بني إسرائيل.
وقال ابن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل؛ لأنهم حين حَيِيَ وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله، وقالوا: كَذَب؛ بعد ما رأوا هذه الآية العظمى؛ فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشدّ تكذيباً لنبيّهم منهم عند ذلك، لكن نفذ حكم الله بقتله.
روى الترمذي عن عبد اللَّه بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي"وفي مسند البزار عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أربعة من الشقاء جمود العين وقساء القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا". انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 463}