قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ} حُكي عن أبي عمرو أنه قرأ"يَأْمُرْكُمْ"بالسكون، وحذف الضمة من الراء لثقلها.
قال أبو العباس المبرد: لا يجوز هذا لأن الراء حرف الإعراب، وإنما الصحيح عن أبي عمرو أنه كان يختلس الحركة.
{أَنْ تَذْبَحُواْ} فِي موضع نصب ب"يأمركم"؛ أي بأن تذبحوا.
{بَقَرَةً} نصب ب"تذبحوا".
وقد تقدّم معنى الذبح، فلا معنى لإعادته.
الثانية: قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} مقدّم فِي التلاوة، وقوله:"قَتَلْتُمْ نَفْساً"مقدّم فِي المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة.
ويجوز أن يكون قوله:"قتلتم"فِي النزول مقدّماً، والأمر بالذبح مؤخراً.
ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها؛ فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع من أمر القتل، فأُمروا أن يضربوه ببعضها؛ ويكون"وإذ قتلتم"مقدّماً فِي المعنى على القول الأوّل حسب ما ذكرنا، لأن الواو لا توجب الترتيب.
ونظيره فِي التنزيل فِي قصة نوح بعد ذكر الطُّوفان وانقضائه فِي قوله: {حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين} إلى قوله: {إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: 40] .
فذكر إهلاكَ من هلك منهم ثم عطف عليه بقوله: {وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] .
فذكر الركوب متأخراً فِي الخطاب؛ ومعلومٌ أن ركوبهم كان قبل الهلاك.
وكذلك قوله تعالى: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً} [الكهف: 1] .
وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قَيِّماً ولم يجعل له عوجا؛ ومثله فِي القرآن كثير.
الثالثة: لا خلاف بين العلماء أن الذّبح أوْلى فِي الغنم، والنحر أوْلى فِي الإبل، والتخيّر فِي البقر.
وقيل: الذبح أوْلى؛ لأنه الذي ذكره الله، ولقُرب المنحرَ من المذبح.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً حَرّم أكل ما نُحر مما يُذبح، أو ذُبح مما يُنحر.
وكره مالك ذلك.
وقد يكره المرء الشيء ولا يحرّمه.
وسيأتي فِي سورة"المائدة"أحكام الذبح والذابح وشرائطهما عند قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} مستوفىً إن شاء الله تعالى.