قال - رحمه الله:
{وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ}
فيه ثماني مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ} كُسرت الذال لالتقاء الساكنين.
والسين سين السؤال؛ مثل: استعلم واستخبر واستنصر، ونحو ذلك؛ أي طلب وسأل السَّقْيَ لقومه.
والعرب تقول: سقيته وأسقيته، لغتان بمعنًى؛ قال:
سقى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى ... نُمَيْراً والقبائلَ من هِلال
وقيل: سقيتُه من سقي الشَّفَة، وأسقيته دَلَلْته على الماء.
الثانية: الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر، وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذِّلة مع التوبة النَّصوح.
وقد"استسقى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم:"فخرج إلى المصلَّى متواضعاً متذلّلاً متخشعاً مترسِّلاً متضرّعاً""وحسبك به! فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد؛ فأنَّى نُسْقَى! لكن قد قال صلى الله عليه وسلم فِي حديث ابن عمر:"ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يُمْطَرُوا"الحديث.
وسيأتي بكماله إن شاء الله.
الثالثة: سُنّة الاستسقاء الخروج إلى المصلَّى على الصفة التي ذكرنا والخطبة والصلاة؛ وبهذا قال جمهور العلماء.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سُنّته صلاة ولا خروج، وإنما هو دعاء لا غير.
واحتج بحديث أنس: الصحيح، أخرجه البخاريّ ومسلم.
ولا حجة له فيه؛ فإن ذلك كان دعاء عُجِّلت إجابته فاكتفى به عما سواه، ولم يقصد بذلك بيان سُنّة؛ ولما قصد البيان بيّن بفعله، حسب"ما رواه عبد اللَّه بن زيد المازنيّ قال:"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحوّل رداءه ثم صلى ركعتين""رواه مسلم.
وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادة فِي سورة"هود"إن شاء الله.
الرابعة: قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر} العصا: معروف، وهو اسم مقصور مؤنّث وألفه منقلبة عن واو؛ قال:
على عَصَوَيْهَا سابِرِيُّ مُشَبْرَقُ ...
والجمع عُصِيّ وعِصِيّ، وهو فعول، وإنما كُسرت العين لما بعدها من الكسرة؛ وأعْصٍ أيضاً مثله؛ مثل زَمَنٍ وأزْمُنٍ.