قال - رحمه الله:
قوله عز وجل: {أتأمرون الناس بالبر} الاستفهام فيه للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم.
والبر اسم جامع لجميع أعمال الخير والطاعات، نزلت هذه الآية فِي علماء اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلىلله عليه وسلم اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق وقيل إن جماعة من اليهود قالوا لمشركي العرب: إن رسولاً سيظهر منكم ويدعوكم إلى الحق، وكانوا يرغبونهم وفي اتباعه فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حسدوه وكفروا به فبكتهم الله ووبخهم بذلك حيث إنهم كانوا يأمرون الناس باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه وأعرضوه عنه.
وقيل كانوا يأمرون الناس بالطاعة والصلاة والزكاة وأنواع البر ولا يفعلونه فوبخهم الله بذلك {وتنسون أنفسكم} أي وتعدلون عما لها فيه نفع والنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والمعنى أتتركون أنفسكم ولا تتبعون محمداً صلى الله عليه وسلم {وأنتم تتلون الكتاب} يعني تقرؤون التوراة وتدرسونها وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وفيها أيضاً الحث على الأفعال الحسنة والإعراض عن الأفعال القبيحة والإثم {أفلا تعقلون} يعني أنه حق فتتبعونه والعقل قوة يهيئ قبول العلم ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل ومنه قول علي بن أبي طالب:
وإن العقل عقلان ... فمطبوع ومسموع
ولا ينفع مطبوع ... إذا لم يك مسموع
كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع
وأصل العقل الإمساك لأنه مأخوذ من عقال الدابة كعقل بالعقال ليمنعه من الشرود فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود والأفعال القبيحة.