قال - رحمه الله:
قال أبو علي: {فأزلهما} يحتمل تأويلين، أحدهما، كسبهما الزلة، والآخر أن يكون من زل إذا عثر"."
وقرأ حمزة:"فأزالهما"، مأخوذ من الزوال، كأنه المزيل لما كان إغواؤه مؤدياً إلى الزوال. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء، ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعين هو متولي إغواء آدم. واختلف فِي الكيفية، فقال ابن عباس وابن مسعود وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى: {وقاسمهما} والمقاسمة ظاهرها المشافهة.
وقال بعضهم: إن إبليس لما دخل إلى آدم كلمه فِي حاله، فقال: يا آدم ما أحسن هذا لو أن خلداً كان، فوجد إبليس السبيل إلى إغوائه، فقال: هل أدلك على شجرة الخلد؟.
وقال بعضهم: دخل الجنة فِي فم الحية وهي ذات أربع كالبختية، بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم تدخله إلا الحية، فخرج إلى حواء وأخذ شيئاً من الشجرة، وقال: انظري ما أحسن هذا فأغواها حتى أكلت، ثم أغوى آدم، وقالت له حواء: كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوءاتهما، وحصلا فِي حكم الذنب، ولعنت الحية وردت قوائمها فِي جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم فِي كل شهر، وكذلك تحملين كرهاً، وتضعين كرهاً، تشرفين به على الموت مراراً. زاد الطبري والنقاش:"وتكونين سفيهة، وقد كنت حليمة".
وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانه وسلطانه ووساوسه التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". والضمير فِي {عنها} عائد على {الشجرة} فِي قراءة من قرأ"أزلهما"، ويحتمل أن يعود على {الجنة} فأما من قرأ"أزالهما"فإنه يعود على {الجنة} فقط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر، تقديره فأكلا من الشجرة.
وقال قوم:"أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعاً على جميع جنسها".
وقال آخرون:"تأولا النهي على الندب".
وقال ابن المسيب:"إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فكان فِي غير عقله".
وقوله تعالى: {فأخرجهما مما كانا فيه} يحتمل وجوهاً، فقيل أخرجهما من الطاعة إلى المعصية. وقيل: من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا. وقيل: من رفعة المنزلة إلى سفل مكانة الذنب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يتقارب.
وقرأ أبو حيوة:"اهبُطوا"بضم الباء.
"ويفعُل"كثير فِي غير المتعدي وهبط غير متعدٍّ. والهبوط النزول من علو إلى أسفل.
واختلف من المخاطب بالهبوط، فقال السدي وغيره:"آدم وحواء وإبليس والحية".