وقال بعض المنسوبين للحقائق: خلق لكم ليعد نعمه عليكم، فتقتضي الشكرمن نفسك لتطلب المزيد منه.
وقال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمنه لك من جزيل العطاء فِي المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فإنه قد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وقبل التوحيد.
وقال ابن عطاء: خلق لكم ليكون الكون كله لك وتكون لله فلا تشتغل بما لك عما أنت له.
وقال بعض البغداديين: أنعم عليك بها، فإن الخلق عبدة النعم لاستيلاء النعم عليهم، فمن ظهر للحضرة أسقط عنه المنعم رؤية النعم.
وقال الثوري: أعلى مقامات أهل الحقائق الانقطاع عن العلائق. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 279 - 280}
[فائدة]
قال الفخر:
قوله: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً} يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضاً لا لغيره. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 142}
قوله تعالى {ثُمَّ استوى إِلَى السماء}
فصل
قال الفخر:
الاستواء فِي كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الاعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام، فالله تعالى يجب أن يكون منزهاً عن ذلك ولأن فِي الآية ما يدل على فساده لأن قوله: {ثُمَّ استوى} يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أولاً ولو كان حاصلاً أولاً لما كان متأخراً عن خلق ما فِي الأرض لكن قوله: {ثُمَّ استوى} يقتضي التراخي، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله: {ثُمَّ استوى إِلَى السماء} أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زماناً ولم يقصد شيئاً آخر بعد خلقه الأرض. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 142 - 143}