القول الثاني: أن المراد بقوله: {نُسَبّحُ} أي نصلي والتسبيح هو الصلاة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 159 - 160}
قوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} أن ننزّهك عمّا لا يليق بصفاتك.
والتسبيح فِي كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم؛ ومنه قول أعْشَى بني ثَعْلبة:
أقول لمّا جاءني فَخْرُه ... سبحانَ من عَلْقَمَةَ الفاخرِ
أي براءة من عَلْقَمة.
"وروى طلحة بن عبيد اللَّه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال:"هو تنزيه الله عزّ وجلّ عن كل سوء""
وهو مشتق من السّبح وهو الجَرْي والذهاب؛ قال الله تعالى: {إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً} [المزمل: 7] فالمسبِّح جارٍ فِي تنزيه الله تعالى وتبرئته من السّوء.
وقد تقدّم الكلام فِي"نحن"، ولا يجوز إدغام النون لئلا يلتقي ساكنان.
مسألة: واختلف أهل التأويل فِي تسبيح الملائكة، فقال ابن مسعود وابن عباس: تسبيحهم صلاتهم؛ ومنه قول الله تعالى: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين} [الصافات: 143] أي المُصَلّين.
وقيل: تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، قاله المفضّل؛ واستشهد بقول جرير:
قَبَحَ الإله وجوهَ تَغْلِبَ كلّما ... سَبَح الحجيج وكَبّرُوا إهلالاَ
وقال قتادة: تسبيحهم: سبحان الله؛ على عُرفه فِي اللغة، وهو الصحيح لما رواه أبو ذَرّ"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال:"ما اصطفى الله لملائكته (أو لعباده) سبحان الله وبحمده""أخرجه مسلم.
وعن عبد الرحمن بن قُرْط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسْرِيَ به سمع تسبيحاً فِي السماوات العلا: سبحان العليّ الأعلى سبحانه وتعالى؛ ذكره البيهقي.
قوله تعالى: {بِحَمْدِكَ} أي وبحمدك نخلطِ التسبيح بالحمد ونصله به.
والحمد: الثناء، وقد تقدّم.
ويحتمل أن يكون قولهم:"بحمدك"اعتراضا بين الكلامين؛ كأنهم قالوا: ونحن نسبح ونقدّس، ثم اعترضوا على جهة التسليم؛ أي وأنت المحمود فِي الهداية إلى ذلك. والله أعلم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 376 - 377}