قال - رحمه الله:
{هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً} .
هذا، إما استدلال ثانٍ على شناعة كفرهم بالله تعالى وعلى أنه مما يقضي منه العجب فإن دلائل ربوبية الله ووحدانيته ظاهرة فِي خلق الإنسان وفي خلق جميع ما فِي الأرض فهو ارتقاء فِي الاستدلال بكثرة المخلوقات، وفصْل الجملةِ السابقة يجوز أن يكون لمراعاة كمال الاتصال بين الجملتين لأن هذه كالنتيجة للدليل الأول لأن فِي خلق الأرض وجميع ما فيها وفي كون ذلك لمنفعة البشر إكمالاً لإيجادهم المشار إليه بقوله: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} [البقرة: 28] لأن فائدة الإيجاد لا تكمل إلا بإمداد الموجود بما فيه سلامته من آلام الحاجة إلى مقومات وجوده.
ويجوز أن يكون ترك العطف لدفع أن يوهم العطف أن الدليل هو مجموع الأمرين فبترك العطف يعلم أن الدليل الأول مستقل بنفسه وفي الأول بُعد وفي الثاني مخالفة الأصل لأن أصل الفصل أن لا يكون قطعاً على أنه توهم لا يضير.
وإما أن يكون قوله: {هو الذي خلق} امتناناً عليهم بالنعم لتسجيل أن إشراكهم كفران بالنعمة أدمج فيه الاستدلال على أنه خالق لما فِي الأرض من حيوان ونبات ومعادن استدلالاً بما هو نعمة مشاهدة كما أشار إليه قوله: {لكم} فيكون الفصل بين الجملتين كما قرر آنفاً، ولم يلتفت إلى ما فِي هذه الجملة من مغايرة للجملة الأولى بالامتنان لأن ما أدمج فيها من الاستدلال رجح اعتبار الفصل.
والخلق تقدم تفسيره عند قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21] .