27 - {الَّذِينَ ينَقُضُونَ} . (والذين) من صفة الفاسقين.
و (النقض) في اللغة: الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء، و (نقيض الشيء) : ما ينقضه اي: يهدمه ويرفع حكمه.
والمناقضة في الشعر أن يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض جرير والفرزدق.
وقوله تعالى: {عَهْدَ اللَّهِ} . (العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة، والذي أريد به هاهنا الوصية والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي: أمره. ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ} [يس: 60] أي ألم آمركم. والعهد أيضًا العقد الذي يتوثق به لما بعد.
وذكر أبو إسحاق للعهد المذكور في هذه الآية وجهين أحدهما: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81] .
وقال: يجوز أن يكون عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم.
والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به.
وهذا الوجه هو قول ابن عباس ذكره في قوله: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] في سورة الرعد، قال: يريد الذي عهد إليهم في صلب آدم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} .
وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} . (من) صلة لأجل التأكيد. والميثاق: ما وقع التوثيق به، كما أن الميقات ما وقع التوقيت به، ومواقيت الحج من ذلك، لأنه وقع توقيت الإحرام ببلوغها. والكتاب أو
الكلام الذي يستوثق به: ميثاق، الوقت الذي يعقد به الوعد: ميعاد، وكذلك المصداق ما انعقد الصدق به.
و (الياء) في الميثاق منقلبة عن الواو.
وقال الفراء: يقال في جمع الميثاق: مياثق ومواثق، قال:
حِمىً لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلَّا بِإذْنِنَا ... وَلَا نَسْأَلُ الأَقْواَمَ عَقْدَ المَيَاثِقِ