[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
إن الله سُبْحَانَهُ فاوت بَين النَّوْع الإنساني أعظم تفَاوت يكون بَين المخلوقين فَلَا يعرف اثْنَان من نوع وَاحِد بَينهمَا من التَّفَاوُت مَا بَين خير الْبشر وشرهم وَالله سُبْحَانَهُ خلق الْمَلَائِكَة عقولا بِلَا شهوات وَخلق الْحَيَوَانَات ذَوَات شهوات بِلَا عقول وَخلق الإنسان مركبا من عقل وشهوة، فَمن غلب عقله شَهْوَته كَانَ خيرا من الْمَلَائِكَة، وَمن غلبت شَهْوَته عقله كَانَ شرا من الْحَيَوَانَات وفاوت سُبْحَانَهُ بَينهم فِي الْعلم فَجعل عالمهم معلم الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ تَعَالَى {يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ} وَتلك مرتبَة لَا مرتبَة فَوْقهَا وَجعل جاهلهم بِحَيْثُ لَا يرضى الشَّيْطَان بِهِ وَلَا يصلح لَهُ كَمَا قَالَ الشَّيْطَان لجاهلهم الَّذِي أطاعه فِي الْكفْر {إِنِّي بَرِيء مِنْك} وَقَالَ لجهلتهم الَّذين عصوا رَسُوله {إِنِّي بَرِيء مِنْكُم} فَللَّه مَا أَشد هَذَا التَّفَاوُت بَين شَخْصَيْنِ أحدهما تسْجد لَهُ الْمَلَائِكَة وَيعلمهَا مِمَّا الله علمه، والآخر لَا يرضى الشَّيْطَان بِهِ وليا.
وَهَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم إِنَّمَا حصل بِالْعلمِ وثمرته وَلَو لم يكن فِي الْعلم إلا الْقرب من رب الْعَالمين والالتحاق بعالم الْمَلَائِكَة وصحبة الْمَلأ الأعلى لكفى بِهِ فضلا وشرفا، فَكيف وَعز الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَنُوط بِهِ ومشروط بحصوله. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...