[من روائع الأبحاث]
(هل كان كفر إبليس من قبل استكباره على الله - عز وجل - بأن لم يطعه في السجود لآدم؟)
قال الحَلِيمي:
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) }
المستبق بين الناس أن كفر إبليس إنما كان من قبل استكباره على الله - عز وجل - بأن لم يطعه في السجود لآدم، ويحتجون بقول الله - عز وجل - {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} وقوله عز وجل: {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} .
ونقول: إن إبليس إنما استكبر على آدم - صلى الله عليه وسلّم -، لم يكن يمتنع من السجود لله - عز وجل - بترك السجود لآدم، والتكبر على الأنبياء عليهم السلام.
فإن كان كفر.
فليس عند هذا المحتج بيان أن آدم في ذلك الوقت كان قد أكرم بالنبوة فيهم بذلك احتجاجه، فلم يكن استكبار إبليس على الله أن لا يسجد لآدم إنما كان استكباره على الله - عز وجل - بأن ظلم الله تعالى وسفهه وأضاف إليه أنه يضع الأمر غير موضعه، فيقول له: اسجد لآدم، وهو خير منه، لأن يسجد آدم له أولى من أن يسجد لآدم.
فكان هنا علة كفره، والله أعلم.
فأما ما يدل على أن الخضوع لله من أركان الإيمان فهو أن الخضوع إنما يقتضي عن العلم بالحاجة إليه، وأن عنده ما به الحاجة، وأنه مالكه، والأمر فيه إليه إن شاء أعطى وإن شاء منع.
فلما كان اعتقاده هذه المعاني كلها إيماناً، كان ما ينشأ عنها من الذلة لله - عز وجل - إيماناً، لأنه لا ينشأ عن الإيمان ما ليس بإيمان.
فقد يجوز أن يقال إنما كان الخضوع لله - عز وجل - إيماناً، لأن ضده وهو الاستكبار عليه كفر، فإن هذا أصل ثابت، وإن لم يعتقد أصله نقضه إبليس.
وما كان كفراً كان خلافه إيماناً.
(فصل)
فإن قيل: أرأيتم لو استدل مستدل على تقديم آدم صلوات الله عليه على الجماعة بمثل هذا الدليل فقال: إن الله أسجد ملائكته لآدم، ولم يسجدهم لغيره، وسجودهم أكبر من مقاتلتهم عمن قاتلوا عنه من وجهين.
أحدهما: أن عامة الملائكة اشتركوا في السجود ولم يشتركوا في القتال يوم بدر.
والآخر: أن السجود من الخضوع للمسجد له ما ليس في المقابلة مع المعاني بالقتال عنه، فوجب لهذا أن يكون أفضل الجماعة؟