ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وقفة مع الإمام القرطبي"
"هل الأنبياء أفضل أو الملائكة؟"
هذه مسألة تندرج تحت قول الله تعالى [وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر.]
وقد قال الإمام - رحمه الله - ما نصه:
"فقد استدل ابن عباس على فضل البشر, بأن الله تعالى أقسم بحياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال [لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون] (الحجر: 72) وأمنه من العذاب بقوله [ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر] (الفتح: 2) وقال للملائكة [ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم] "
(الأنبياء: 29) قيل: إنما لم يقسم بحياة الملائكة, كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه, فلم يقل لعمري, وأقسم بالسماء والأرض, ولم يدل على أنها أرفع قدراً من العرش والجنان السبع, وأقسم بالتين والزيتون, وأما قوله سبحانه [ومن يقل منهم إني إله من دونه] فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام [لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين] (الزمر: 65)
فليس فيه إذاً دلالة - والله أعلم - انتهى كلامه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"تعليق"
يقول ابن القماش:
من خلال هذه الأجوبة يتبين لنا أن الإمام القرطبي - رحمه الله - يميل إلى أن الملائكة أفضل من البشر, ولكن يؤخذ عليه أنه قد بالغ فِي الرد, وكان بوسعه أن يرد هذه الأدلة من دون أن يصطدم مع أصول وثوابت أجمعت عليها الأمة سلفاً وخلفاً, سنة وشيعة - وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل المخلوقات العلوية والسفلية وقد أعطاه الله تعالى هبات ومزايا ما نالها غيره حيث جعل الله طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة لله وبيعته بيعة لله ورضاه فِي رضا الله فقال تعالى"من يطع الرسول فقد اطاع الله: [النساء: 8 (] وقال [إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله] [الفتح: 1 (] وقال والله ورسوله أحق أن يرضوه] [التوبة: 62] وقال له فِي أحد القبلة [فلنولينك قبلة ترضاها] [البقرة: 144] ولم يقل نرضاها وقال له [ولسوف يعطيك ربك فترضى] [الضحى: 5] وتأمل يرحمك الله - عندما تكلم القرآن عن جبريل عليه السلام - وهو أفضل الملائكة بالإجماع - اقسم الله تعالى بهذه الأشياء فقال [فلا اقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم] والمراد به هنا جبريل عليه السلام - وانظر - أكرمك الله ومتعك بتذوق آياته وآلائه عندما أراد القرآن أن يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - افتراء المشركين فِي قولهم عنه إنه ساحر أو كاهن، وانظر بأي شيء أقسم رب العزة لتبرئة حبيبه ومصفاه قال [فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم] والمراد بالرسول الكريم هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال سادتنا المفسرون فِي هذه الآية الكريمة لقد أقسم الله تعالى بكل شيء بالليل والنهار بالدنيا والآخرة بالملك والملكوت بالخلق والخالق لتبرئة رسوله صلى الله عليه وسلم."
وأيضا لا ينبغي لعاقل أن ينسى ما حدث ليلة الإسراء والمعراج وخصوصاً عند سدرة المنتهى وإلى أي مكان وصل الحبيب الشفيع - صلى الله عليه وسلم - يتبين لك ما خص الله به حبيبه ومحتباه بأبي وأمي هو صلى الله عليه وسلم.
واستمع إلى ما ذكره الإمام القيم ابن القيم رحمه الله حيث ذكره فائدة فِي غاية الحسن فِي كتابه النفيس بدائع الفوائد - فقال:
"فائدة"
هل حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل أم الكعبة؟
قال ابن عقيل: سألني سائل: أيهما أفضل حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الكعبة، فقلت: إن أردت مجرد الحجرة، فالكعبة أفضل، وإن أردت وهو فيها، فلا والله، ولا العرش وحملته، ولا جنة عدن، ولا الأفلاك الدائرة، لأن بالحجرة جسداً لو وزن بالكونين لرجح. اهـ
بدائع الفوائد حـ 3 ص 637 طـ. دار الحديث القاهرة.
وقد ذكر الإمام فخر الدين الرازي - رحمه الله - حـ 2 ص 445. أن جبريل - عليه السلام - أخذ بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أركبه على البراق ليلة المعراج، وكذلك لما وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل - عليه السلام - وقال:"لو دنوت أنملة لاحترقت"اهـ
وهذا الخبر يحتاج إلى سند صحيح. ومقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - فوق عقول العالِمِين والعالَمِين.
وكان بوسع الإمام القرطبي أن يرد هذه الأدلة بأن هذا خاص برسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنه لا يفهم من هذا الكلام أننا نقول بأن الملائكة أفضل من الأنبياء أو من البشر فمقام الأدب يقتضي تفويض العلم في ذلك وفي حقائقه إلى علام الغيوب (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) والله أعلم.