[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وأمّا تعلّقهم بقوله: {وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ} [البقرة: 26] ، وقوله: {فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، وقوله: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] ، وأنه أيضا لا تعلق لملحد فيه ولا لقدري، بل هذه الآيات كلّها شاهدة على فساد قول القدريّة، وذلك أنّه لا تعارض بين قوله: {فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وبين إخباره عن إضلاله لكلّ ضالّ على سبيل الابتداء والجزاء، لأنّه يحتمل أن يكون أراد أنّهم لما زاغوا زيغا أولا أزاغ الله قلوبهم زيغا ثانيا هو أشدّ من الأول، وإعماء لهم أكثر من الأول لأنه تعالى حكم أنّه لا يزيغها ذلك الزيغ الشديد إلا بعد زيغ أول هو دونه، وأن يجعل ذلك جزاء لهم وعقوبة على الزيغ الأول، وإن كان هو الخالق، لأنّ الجزاء عليه لم يقع من حيث الخلق، ولكن من حيث اكتسبوه على ما بيّناه في كتاب «خلق الأفعال» ، وكذلك قوله: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ، كأنّه ضلال عظيم مخصوص حكم تعالى بأنّه لا يضلّ به إلا بعد خلقه بضرب من الضلال دونه في الفاسقين، فإذا فسقوا بالضلالة الأولة، أضلّهم بالضلال الثاني الذي هو أعظم وأضرّ من الأوّل، وكذلك قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] إنّما هو متوجه إلى ضلال مخصوص، فكأنّه قال: {وما كان الله ليضلّ قوما بذلك الضرب من الضلال حتى يبيّن لهم ما يتّقون ثم يعصون في البيان الأوّل، يضلّهم بالإضلال العظيم الثاني على سبيل العقوبة والانتقام، وإن كان قد قيل في تأويل الآية وجه آخر، وليس بين إخباره بأنّه لا يضلّ بضرب من الضّلال إلا قوما فسقوا وضلّوا وزاغوا عن الحق، وبين إخباره بأنّ كلّ ضلال ابتداء فهو المضلّ به تناقض ولا منافاة وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه. انتهى انتهى الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...