ولكن ضخامة الجهد المطلوب، وسعة الميادين المفتوحة للدراسة والبحث، لا تمنعنى أن أدلى بجهدى المتواضع الذي لا أبغى به أكثر من أن يكون مجرد إرشادات، لعلها تحفز الباحثين إلى أن يبحثوا، والمفكرين إلى أن يتدبروا كما أمرهم الله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (1)
أرجو الله أن يجعل هذا العمل خالص لوجهه، وأن يتقبل منى جهدى على ضآلته، وأن يعيننى على ذكره وشكره وحسن عبادته؛ فما أحوجنى إلى عونه، وما أحوجنى إلى رضاه، وما أحوجنى إلى عفوه عن الزلات والهفوات والغفلات .. اللهم عفوك ورضاك يا أكرم الأكرمين.
من الإعجاز البيانى
كتب الكثير عن الإعجاز البيانى للقرآن، ولست هنا أضيف شيئاً إلى ما قيل، وإنما هي وقفات سريعة تمثل بعض إنطباعاتى فِي هذا المجال.
أشرت من قبل فِي كتاب (( دراسات قرآنية ) )إلى ما يطلق عليه ظاهرة التكرار فِي القرآن 0 وقلت إن القرآن نادر جدا فِي القرآن الكريم لا يتجاوز آيات معدودة جاءت بنصها فِي أكثر من سورة. ولكن الظاهرة الحقيقية ليست هي التكرار إنما هي التشابه الذي يؤدى إلى التنوع، وقلت إنها كثمار الجنة تبدو لأول وهلة أنها هي هي، ولكنها عند المذاق يتبين الفرق بينها وبين ما كان من قبل: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً) (2) .
وهذا التشابه الذي يؤدى إلى التنويع هو ذاته لون من الإعجاز 0 فالموضوع الواحد يعرض مرارا، ولكنه يعرض فِي كل مرة مختلفا عما سبقه نوعا من الاختلاف، فيكون جديدا فِي كل مرة، ويكون - مع التلاوة المستمرة للقرآن - متجددا على الدوام.
وقد يكون الاختلاف فِي حرف واحد، ولكنه يغير الصورة!
خذ هذا النموذج:
(( وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) ) (3) .
(1) سورة النساء (82) .
(3) سورة البقرة (49)