قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ...} .
قال ابن عرفة: هذا من (تمام) قوله: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} فصل بينهما بجملة اعتراض وهي قوله {والله مُحِيطٌ بالكافرين} أتت (مشددة) لما قبلها.
قال: واختلفوا فِي كاد فقيل: (نفيها) إيجاب، وإيجابها نفي.
قال ابن الحاجب: إذا دخل النفي عليها فهي كالأفعال (على الاصح وقيل: إنها تقتضي الثبوت مع الماضي والمستقبل، وقيل: مع الماضي للإثبات ومع الاستقبال كالأفعال) وانظر أبا حيان.
قال ابن عرفة: الظّاهر عندي أن (الخلاف) لفظي يرجع إلى (الوفاق) فمن رده النفي إلى المقاربة جعلها كسائر الأفعال ومن رده إلى نفس الفعل الذي تعلقت به المقاربة قال نفيها إثبات وإثباتها نفي.
فإن قلت: هلا قال: كلما أنار لهم مشواْ فيه؟
(والجواب: أنه لشدة) الظّلمة (لا يزيلها) إلاّ شدة الضوء (وقليل) النور لا يزيلها، أو لشدّة (الضوء) عقب شدة الظلمة إذ هو (أشد فِي التخويف) .
(فإن قلت) : هلا قيل: وإذا ذهب ضوؤه عنهم قاموا فإن ذهاب الضوء يكون بحصول مطلق (الظلمة) حسبما تقدم أن الضوء هو إفراط الإنارة.
والجواب بأنّ الحالتين لا واسطة بينهما: فإما ظلام شديد وإما ضوء شديد وهذا أبلغ فِي التخويف، وهو معاقبة ظلام شديد (بضوء شديد) سريع الذهاب يعقبه أيضا ظلام شديد.
فإن قلت: ما أفاد قوله فيه مع أن المعنى يهدي إليه؟
قلنا: أفاد أنهم لا يمشون إلا فِي موضع الضوء خاصة، ولا يستطيعون المشي فِي غيره.
فإن قلت: ما أفاد قوله"عَلَيْهمْ"؟
قلنا: التنبيه على أنّ تلك الظّلمات عقوبة فهي ظلمة عليهم ولأجلهم فليست على غيرهم بوجه.
قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ...} .
فإن قلت: هلا علقت المشيئة بما (تحذروا) منه، وهو الموت لأنهم لم يتحذروا من الصمم والعمى؟
والجواب: أن الموت أمر غالب عام متكرر فِي العادة ليس لأحد مقدرة عن التحرز منه (وأما ذهاب السمع والبصر فهو نادر ليس بعام يمكن المخالفة فيه وادّعاء الحذر منه) (بالتحرز) والتحصن بأسباب النجاة فلذلك أسندت (المشيئات) إليه.
قلت: (أو) لأنهم لم يتحرّزوا من الموت ألاّ بسدّ سمعهم فلذلك أسند الذهاب إليه.