8 -قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية. روى ثعلب عن سلمه عن الفراء قال: يكون (من) ابتداء غاية، ويكون بعضًا، ويكون صلة، قال الله: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} [يونس: 61] . المعنى: مثقال ذرة.
قال أبو عبيد: والعرب تضع (من) مواضع (مذ) يقال: ما رأيته من [سنة، أي:] مذ سنة. قال زهير:
أقوين من حجج ومن شهر
أي: مذ حجج. ويكون (من) بمعنى البدل، كقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً} [الزخرف: 60] . معناه: بدلكم، وسنذكره في موضعه. وأما الأصل [في (الناس) ] فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري قال: (أخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن(الناس) ما أصله؟
قال: أصله أناس، والألف فيه أصلية، ثم زيدت عليه اللام التي نزاد مع الألف للتعريف، وأصل تلك اللام سكون أبدا، فصار (الأناس) ثم كثر في الكلام، وكانت الهمزة واسطة فاستثقلوها فتركوها، ثم أدغموا اللام في النون فقالوا: الناس، فلما طرحوا الألف واللام قالوا: (ناس) . وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال:
إن المنايا يَطّلعـ ... ـنَ على الأناس الآمنينا
قال الأزهري: وهذا قول حذاق النحويين. و (الناس) لفظ وضع للجمع، ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل: (أنيس) و (نويس) .
فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين، دل على أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك. ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: (أناس من حلي أذني) .
قال: وسمي الناس ناسًا، لأن من شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه. وكان في الأصل (إنسيان) ، وهو فعليان، والألف فيه (فاء) الفعل، ومثله في الكلام (حرصيان) وهو الجلد الذي يلي الجلد الأعلى من الحيوان، ورجل حذريان، إذا كان حذرا، وإنما قلنا: إن أصله إنسيان، لأن العرب لم تختلف في تصغيره على أنيسيان.
قال الأزهري: وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون. وقد روي عن ابن عباس أنه