فإن قيل: فالمتقي مهتد، فما فائدة اختصاص الهداية به؟
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أنه أراد المتقين، والكافرين، فاكتفى بذكر أحد الفريقين، كقوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] أراد: والبرد.
والثاني: أنه خصَّ المتقين لانتفاعهم به، كقوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45] .
وكان منذراً لمن يخشى ولمن لا يخشى. انتهى انتهى. {زاد المسير حـ 1 صـ 23 - 24}
[فائدة]
قال فِي البحر المديد:
المتقي: من جعل بينه وبين مقت الله وقاية، وله ثلاث درجات:
* حفظ الجوارح من المخالفات،
* وحفظ القلوب من المساوئ والهفوات،
* وحفظ السرائر من الوقوف مع المحسوسات،
فالأولى لمقام الإسلام، وإليه توجه الخطاب بقوله: {فَاتَقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التّغَابُن: 16] ، والثانية لمقام الإيمان، وإليه توجه الخطاب بقوله: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [المَائدة: 100] ، والثالثة لمقام الإحسان، وإليه توجه الخطاب بقوله: {اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عِمرَان: 102] .
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ذَلِكَ الكِتَابُ} الذي لا يقرب ساحتَه شكٍّ ولا ارتياب، هو عين الهداية لأهل التقى من ذوي الألباب، فلا يزالون يَتَرَقَّوْنَ به فِي المقامات والأحوال حتى يسمعوه من الكبير المتعال، بلا واسطة تبليغ ولا إرسال، قد انمحت فِي حقهم الرسوم والأشكال، وهذه غاية الهداية، وتحقيق سابق العناية.
قال جعفر الصادق: (والله لقد تجلّى الله تعالى لخلقه فِي كلامه ولكن لا يشعرون) .
وقال أيضاً - وقد سألوه عن حالة لحقَته فِي الصلاة حتى خرّ مغشيّاً عليه، فلما سُرِّيَ عنه، قيل له فِي ذلك فقال: (ما زلت أرددت الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته) .
فدرجات القراءة ثلاث: