قوله جل من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) هذا متصل بما في قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ...)
إلى آخر السورة من معنى، فمفهوم هذا أن من العباد من لم ينعم الله
عليه بنعمة الهداية ولم يفهمه من هذه، وهي النعمة الدينية، ولا نال كمال النعمة بها.
لما ذكر صنفين من المهتدين، وصنفين من الضالين، وأشار إلى صنف متوسط
منهما تجاوز ذكر المتوسط إلى الأشقى بقوله:(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ
وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)تقدير الكلام وهو أعلم بما ينزل: وعلى
أبصارهم غشاوة مجعولة عقوبة لهم بما لم ينظروا في آيات الله تعالى وإلى ملكه
حتى ختم بذلك على قلوبهم وعلى سمعهم، ومنعهم الفهم عنه والسمع والطاعة
لرسله وكتبه، وجعل على أبصارهم غشاوة فلا ينظرون أبدًا.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) أي: من
موجب العهد والميثاق المأخوذ عليه في البدء(إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ
يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا).
ذلك لأنهم نظروا إلى الموجودات من ظواهرها لا بحقيقة النظر في بواطنها،
ونظروا إلى الرسل من حيث هم بشريون، ولم ينظروا إلى البواطن منهم، ونظروا
إلى آيات الله في الوجود، والأرض والسماء من حيث المعهود المعتاد لا من حيث
هن آيات يعبَّر بهن إلى ما جعلن آيات عليه.
وشواهد لجاعلهن منذرات ببأسه، ومبشرات برحمته، ومبلغات عنه، فلم يصل
النور إلى قلوبهم، ولا سمعوا النداء بأسماعهم، ولهم على ذلك عذاب عظيم، هذا
عذاب وعذاب الدنيا لا يشعرون بكثير منه، ولذلك لا ينفعهم في الدنيا نذارة، ولا
في الآخرة شفاعة.
ثم ذكر - جلَّ جلالُه - الصنف المتوسط، وهم أهل الكتاب والمنافقون بقوله الحق: