قال - رحمه الله:
{يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ} لما بين سبحانه فرق المكلفين وقسمهم إلى مؤمنين وكفار ومذبذبين، وقال فِي الطائفة الأولى: {الذين يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 3]
وفي الثانية: {سَوَاء عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6] وفي الثالثة: {يخادعون الله} [البقرة: 9] وشرح ما ترجع إليه أحوالهم دنيا وأخرى فقال سبحانه فِي الأولى: {أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون} [البقرة: 5] وفي الثانية: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 7] وفي الثالثة: {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [البقرة: 0 1] أقبل عز شأنه عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزاً لهم إلى الإصغاء وتوجيهاً لقلوبهم نحو التلقي وجبراً لما فِي العبادة من الكلفة بلذيذ المخاطبة ويكفي للنكتة الوجود فِي البعض، و (يا) حرف لا اسم فعل على الصحيح وضع لنداء البعيد، وقيل: لمطلق النداء أو مشتركة بين أقسامه، وعلى الأول ينادي بها القريب لتنزيله منزلة غيره إما لعلو مرتبة المنادي أو المنادى، وقد ينزل غفلة السامع وسوء فهمه منزلة بعده، وقد يكون ذلك للاعتناء بأمر المدعو له والحث عليه لأن نداء البعيد وتكليفه الحضور لأمر يقتضي الاعتناء والحث، فاستعمل فِي لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو استعارة تبعية فِي الحرف أو مكنية وتخييلية وهو مع المنادى المنصوب لفظاً أو تقديراً به لنيابته عن نحو ناديت الإنشائي أو بناديت اللازم الإضمار لظهور معناه مع قصد الإنشاء كلام يحسن السكوت عليه كما يحسن فِي نحو (لا، ونعم) و (أي) لها معان شهيرة والواقعة فِي النداء نكرة موضوعة لبعض من كل، ثم تعرفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه أل لأن (يا) لا يدخل عليها فِي غير الله إلا شذوذاً لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين وهما لا يجتمعان إلا فيما شذ من نحو: