(مع النص الحكيم السامي)
(مناسبة الآية لما قبلها)
قال البقاعي:
ولما افتتح سبحانه بالذين واطأت قلوبهم ألسنتهم فِي الإيمان وثنى بالمجاهرين من الكافرين الذين طابق إعلانهم إسرارهم فِي الكفران اتبعه ذكر المساترين الذين خالفت ألسنتهم قلوبهم فِي الإذعان وهم المنافقون، وأمرهم أشد لإشكال أحوالهم والتباس أقوالهم وأفعالهم، فأضر الأعداء من يريك الصداقة فيأخذك من المأمن؛ وما أحسن ما ينسب إلى الإمام أبي سليمان الخطابي فِي المعنى:
تحرّز من الجهال جهدك أنهم ...
وإن أظهروا فيك المودة أعداء
وإن كان فيهم من يسرك فعله ...
فكل لذيذ الطعم أوجله داء
لا جرم ثنى سبحانه بإظهار أسرارهم وهتك أستارهم فِي سياق شامل لقسميهم، فقبح أمورهم ووهّى مقاصدهم وضرب لهم الأمثال وبسط لهم بعض البسط فِي المقال فقال تعالى: {ومن الناس من يقول} أي لما أرسلنا رسولنا انقسم الناس قسمين: مؤمن وكافر، وانقسم الكافر قسمين: فمنهم من جاهر وقال: لا نؤمن أبداً، ومنهم من يقول، ولعله أظهر ولم يضمر لانفرادهم عن المجاهرين ببعض الأحكام، أو لأنه سبحانه لما ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين وأحوال الذين كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى النوس فيهم لاضطرابهم بين الحالين، لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق فِي الهواء كالخيط المعلق الذي ليس فِي طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال مضطرباً بين جهتين، ولم يظهر هذا المعنى فِي الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحدة.