قوله تعالى {لاَ يُؤْمِنُونَ}
[فائدة]
قال ابن عاشور:
{لاَ يُؤْمِنُونَ}
الأظهر أن هاته الجملة مسوقة لتقرير معنى الجملة التي قبلها وهي {سواء عليهم أأنذرتهم} الخ فلك أن تجعلها خبراً ثانياً عن (إنّ) واستفادة التأكيد من السياق ولك أن تجعلها تأكيداً وعلى الوجهين فقد فصلت إما جوازاً على الأول وإما وجوباً على الثاني، وقد فرضوا فِي إعرابها وجوهاً أُخر لا نكثر بها لضعفها، وقد جوز فِي"الكشاف"جعْل جملة {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} اعتراضاً لجملة {لا يؤمنون} وهو مرجوح لم يرتضه السعد والسيد، إذ ليس محل الإخبار هو {لا يؤمنون} إنما المهم أن يخبر عنهم باستواء الإنذار وعدمه عندهم، فإن فِي ذلك نداء على مكابرتهم وغباوتهم، وعذراً للنبيء صلى الله عليه وسلم فِي الحرص على إيمانهم، وتسجيلاً بأن من لم يفتح سمعه وقلبه لتلقي الحق والرشاد لا ينفع فيه حرص ولا ارتياد، وهذا وإن كان يحصل على تقديره جعل {لا يؤمنون} خبراً إلا أن المقصود من الكلام هو الأوْلى بالإخبار، ولأنه يصير الخبر غير معتبر إذ يصير بمثابة أن يقال إن الذين كفروا لا يؤمنون، فقد عُلم أنهم كفروا فعدم إيمانهم حاصل، وإن كان المراد من {لا يؤمنون} استمرار الكفر فِي المستقبل إلا أنه خبر غريب بخلاف ما إذا جعل تفسيراً للخبر. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 48 - 49}
سؤال: فإن قيل: إذا علم أنهم لا يؤمنون، فما معنى دعوتهم إلى الإسلام؟
قيل له: لأن فِي الدعوة زيادة الحجة عليهم، كما أن الله تعالى بعث موسى إلى فرعون ليدعوه إلى الإسلام وعلم أنه لا يؤمن.
وجواب آخر: أن الآية خاصة، وليست بعامة، وإنما أراد به بعض الكفار الذين ثبتوا على كفرهم، كما روي عن صفية بنت حيي بن أخطب قالت: رجع أبي وعمي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما لصاحبه: ما ترى فِي هذا الرجل؟ فقال: إنه نبي، فقال: ما رأيك فِي اتباعه؟ فقال: رأيي أن لا أتبعه، وأن أظهر له العداوة إلى الموت. انتهى انتهى. {بحر العلوم حـ 1 صـ 50}