قال الأستاذ محمد إسماعيل عتوك:
ولقائل أن يقول: لمَ أفرد السمع، وجمع البصر فِي قوله تعالى:"لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ"؟ وما السرُّ فِي تقديم الأول على الثاني؟
والجواب عن الأول: أن السمع - فِي اللغة - هو إدراك الأصوات المحيطة بنا بعد سماعها، وآلته الأذن السامعة، وأن البصر اسم يطلق على عملية الإبصار، التي يتم بها إدراك المرئيات الحسيَّة بعد النظر إليها، وآلته العين الباصرة. ومن هنا جاز التعبير بالسمع عن الأذن، التي هي آلة السماع، كما جاز التعبير بالبصر عن العين، التي هي آلة الإبصار. هذا أولا.
وأما ثانيًا: فإن البصر يجمع على: أبصار، وأن السمع، يجمع على: أسماع؛ ولكنه لم يرد فِي القرآن الكريم مجموعًا بخلاف البصر؛ إلا فِي قراءة ابن أبي عبلة:"لَذَهَبَ بِأسَمْاعِهِمْ"، بدلا من:"لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ". وكذلك قرأ:"خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى أَسْمَاعِهِمْ" (البقرة: 7) ، بدلاً من:"خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سْمْعِهِمْ".
وأظهر الأقوال فِي نكتة إفراده دائمًا، أنه مصدر - فِي أصله - والمصادر لا تجمع. فإذا جعِلت أسماءَ، ذَكِّرت، وأفردَت .. وأما المرجَّح فالاختصار، والتفنن بتوحيد السمع، وجمع البصر، مع إشارة لطيفة إلى أن مدركات السمع نوع واحد؛ وهي المسموعات، ومدركات البصر، أنواع مختلفة؛ وهي المرئيات؛ كما كانت مدركات القلب كذلك .. ولهذا أفرد السمع دائمًا، وجمع البصر والقلب غالبًا، فِي البيان القرآني!