فائدة
قال السمرقندي:
وفي الآية إشكال فِي موضعين:
أحدهما فِي اللفظ والآخر فِي المعنى؛ فأما الذي فِي اللفظ {خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ} ذكر جماعة القلوب ثم قال: {وعلى سَمْعِهِمْ} ذكر بلفظ الوحدان ثم قال: {وعلى أبصارهم} ذكر بلفظ الجمع، فجوابه: إن السمع مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع، فلهذا المعنى والله أعلم ذكر بلفظ الوحدان.
وقد قيل: معنى {وعلى سَمْعِهِمْ} أي: موضع سمعهم، لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع.
وقد قيل: إن الإضافة إلى الجماعة تغني عن لفظ الجماعة، لأنه قال: {وعلى سَمْعِهِمْ} فقد أضاف إلى الجماعة، والشيء إذا أضيف إلى الجماعة مرة يذكر بلفظ الجماعة، ومرة يذكر بلفظ الوحدان، فلو ذكر القلوب والأبصار بلفظ الوحدان لكان سديداً فِي اللغة؛ فذكر البعض بلفظ الوحدان، والبعض بلفظ الجماعة؛ وهذه علامة الفصاحة، لأن كتاب الله تعالى أفصح الكلام.
وأما الإشكال الذي فِي المعنى أن يقال: إذا ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة؟ والجواب عن هذا: أن يقال: إنه ختم مجازاة لكفرهم.
كما قال فِي آية أخرى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقهم وَكُفْرِهِم بآيات الله وَقَتْلِهِمُ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155] لأن الله تعالى قد يسر عليهم سبيل الهدى، فلو جاهدوا لوفقهم، كما قال تعالى {والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين} [العنكبوت: 69] ، فلما لم يجاهدوا واختاروا الكفر عاقبهم الله تعالى فِي الدنيا بالختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، وفي الآخرة بالعذاب العظيم. انتهى انتهى. {بحر العلوم حـ 1 صـ 50 - 51}
سؤال: فإن قيل: لم اقتصر على الإنذار ولم يذكر البشارة فِي قوله تعالى:"أأنذرتهم أم لم تنذرهم"؟
الجواب: لأنهم ليسوا أهلاً للبشارة ولأن الإنذار أوقع فِي القلوب ومن لم يتأثر به فلأن لا يرفع البشارة رأساً - أولى. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 2 - صـ 273 - بتصرف يسير}