وأفاد {إنما} هنا قصر الموصوف على الصفة رداً على قول من قال لهم {لا تفسدوا} ، لأن القائل أثبت لهم وصف الفساد إما باعتقاد أنهم ليسوا من الصلاح فِي شيء أو باعتقاد أنهم قد خلطوا عملاً صالحاً وفاسداً، فردوا عليهم بقصر القلب، وليس هو قصراً حقيقياً لأن قصر الموصوف على الصفة لا يكون حقيقياً ولأن حرف إنما يختص بقصر القلب كما فِي"دلائل الإعجاز"، واختير فِي كلامهم حرف (إنما) لأنه يخاطب به مخاطب مُصِر على الخطأ كما فِي"دلائل الإعجاز"وجعلت جملة القصر اسمية لتفيد أنهم جعلوا اتصافهم بالإصلاح أمراً ثابتاً دائماً، إذ من خصوصيات الجملة الاسمية إفادة الدَّوام. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 280 - 281}
سؤال: فإن قيل: فكيف يصح نفاقهم مع مجاهرتهم بهذا القول؛ ففيه جوابان:
أحدهما: أنهم عرَّضوا بهذا القول، وكَنُّوا عنه من غير تصريح به.
والثاني: أنهم قالوا سراً لمن خلوا بهم من المسلمين، ولم يجهروا به، فبقوا على نفاقهم. انتهى انتهى. {النكت والعيون حـ 1 صـ 75}
[فائدة]
قال ابن عطية:
قال أبو جعفر الطبري فِي كتاب اللطيف فِي باب المرتد:"إن الله تعالى قد جعل الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم فِي سرائرهم دون أحد من خلقه فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا ووكل سرائرهم إلى الله وقد كذب الله ظاهرهم فِي قوله تعالى: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] ."
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ينفصل المالكيون عما ألزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموض عليه بالنفاق وبقي لكل واحد منهم أن يقول لم أرد بها ولا أنا إلا مؤمن ولو عين أحد لما جب كذبه شيئاً. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 95 - 96}