قوله: (المثل مضربه بمورده)
قال الطيبي: مورد المثل هو الحال التي صدر فيها المثل عن مرسله ما ومضربه
الحال التي شبهت بها، أي شبه حالة مضربه بحالة مورده.
مثاله: قولهم:"فِي الصيف ضَيُّعَتِ اللبَنَ"مورد المثل هو أن دختنوس بنت
لقيط بن زرارة كانت تحت عمرو بن عمرو، وكان شيخا كبيرا فكرهته فطلقها،
ثم تزوجها فتى، وأجدبت، فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال عمرو:"في"
الصيف ضيعت اللبن"فذهبت مثلا."
ومضرب المثل حصول حالة من يطلب شيئا قد فوته على نفسه فِي أوانه، لأن
فحواه مشابه لذلك، فيستعار المثل بعينه من غير تغيير، وهو تذكير صيغة""
ضيعت"لاستعماله فِي المذكر، بل يورد هكذا على صيغة المؤنث، وإلا لم يكن"
عارية لذلك.
قوله: (ولا يضرب إلا لما فيه غرابة)
في"الغريب المصنف": كلام نادر غريب خارج عن المعتاد.
وقال الطيبي: اعلم أن غموضة الكلام وكونه نادرا إما أن يكون بحسب
المعنى، أو اللفظ.
أما الأول: فان يرى فيه أثر التناقض، أو التنافي ظاهرا.
مثال الأول - فِي غير المثل - قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)
سورة الأنفال 18، فأثبت الرمية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لأن صورتها
وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها فعل الله عز وجل، وكأنَّ الله هو فاعل الرمية
على الحقيقة.
وقوله تعالى (ولكم فِي القصاص حياة) سورة البقرة 180، للحياة قال
الزمخشري: كلام فصيح، لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل وتفويت
للحياة، وقد جعل ظرفا ومكانا للحياة.
وفي المثل قول الحكم بن عبد يغوث:"رُبَّ رَمْيَةٍ مِنْ غَيْرِ رَام"أثبت
الرمية، ونفى الرامي.
ومثال الثاني: ما فِي الحديث:"إن من البيان لسحرا"حكم بأن بعض
البيان سحر، والمشبه مباح مندوب، والمشبه به حرام محظور.