قال - عليه الرحمة:
{يَكَادُ البرق} استئناف آخرُ وقع جواباً عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فكيف حالُهم مع ذلك البرق؟ فقيل: يكاد ذلك {يَخْطَفُ أبصارهم} أي يختلِسُها ويستلبها بسرعة، وكاد من أفعال المقاربة وُضعت لمقاربة الخبر من الوجود لتأخذَ أسبابَه وتعاضِدَ مباديَه لكنه لم يوجد بعدُ لفقد شرطٍ أو لعُروض مانع، ولا يكون خبرُها إلا مضارعاً عارياً عن كلمة أن، وشذ مجيئه اسماً صريحاً كما فِي قوله:
فأُبْتُ إلى فهمٍ وما كِدْتُ آيبا ... وكذا مجيئه مع أنْ حملاً لها على عسى فِي مثل قول رؤبة:
قد كاد من طول البِلى أن يُمْحَصَا ... كما تحمل هي عليها بالحذف لما بينهما من المقارنة فِي أصل المقاربة وليس فيها شائبة الإنشائية كما فِي عسى، وقرئ يخطِف بكسر الطاء ويختطف ويَخَطف بفتح الياء والخاء بنقل فتحة التاء إلى الخاء وإدغامها فِي الطاء، ويِخِطف بكسرهما على إتباع الياء الخاء، ويُخَطِّف من صيغة التفعيل ويتخطف من قوله تعالى: {وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ} {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم} كل ظرف وما مصدرية والزمان محذوف، أي كلَّ زمان إضاءةً، وقيل: ما نكرة موصوفة معناها الوقت والعائد محذوف، أي كل وقت أضاء لهم فيه والعامل فِي كلما جوابها، وهو استئناف ثالث، كأنه قيل: ما يفعلون فِي أثناء ذلك الهول، أيفعلون بأبصارهم ما فعلوا بآذانهم أم لا، فقيل: كلما نوّر البرقُ لهم ممشىً ومسلكاً على أن أضاء متعدٍ والمفعول محذوف، أو كلما لمع لهم على أنه لازم، ويؤيده قراءة {كُلَّمَا أَضَاء} {مَّشَوْاْ فِيهِ} أي فِي ذلك المسلك أو فِي مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف أن يخطَف أبصارهم، وإيثارُ المشي على ما فوقه من السعي والعدو للإشعار بعدم استطاعتهم لهما {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ} أي خفي البرقُ واستتر، والمظلم وإن كان غيرَه، لكن لمّا كان الإظلامُ دائراً على استتاره أُسند إليه مجازاً تحقيقاً لما أريد من المبالغة فِي موجبات تخبُّطِهم، وقد جوز أن يكون متعدياً منقولاً من ظلم الليل. ومنه ما جاء فِي قول أبي تمام:
هما أظلما حاليَّ ثُمّتَ أجليا ... ظلامَيْهما عن وجهِ أمردَ أشيبِ