[من فوائد الآية الكريمة]
ذكر ابن جزي فِي هذه الآية ثلاث فوائد
الأولى: هذه الآية ضمنت دعوة الحق إلى عبادة الله بطريقين أحدهما: البراهين بخلقتهم وخلقة السماوات والأرض والمطر والسحاب.
والآخر: ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام، فذكر ربوبيته لهم، ثم ذكر خلقه لهم وآبائهم، لأن الخالق يستحق أن يعبد ثم ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشاً والسماء بناء، ومن إنزال المطر وإخراج الثمرات، لأن المنعم يستحق أن يعبد ويشكر، وانظر قوله: جعل لكم، ورزقاً لكم: يدلك على ذلك لتخصيصه ذلك بهم فِي ملاطفة وخطاب بديع.
الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه بقوله فِي آخرها: (فلا تجعلوا لله أنداداً) وذلك هو الذي يترجم عنه بقولنا: لا إله إلا الله، فيقتضي ذلك الأمر الدخول فِي دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد وقول لا إله إلا الله تكون فِي القرآن ذكر المخلوقات، والتنبيه على الاعتبار فِي الأرض والسماوات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار وذلك أنها تدل بالعقل على عشرة أمور: وهي: أن الله موجود، لأن الصنعة دليل على الصانع لا محالة، وأنه واحد لا شريك له، لأنه لا خالق إلا هو (أفمن يخلق كمن لا يخلق) (النحل: 17)
وأنه حي قدير عالم مريد، لأن هذه الصفات الأربع من شروط الصانع.
إذ لا تصدر صنعة عمن عدم صفة منها، وأنه قديم، لأنه صانع للمحدثات فيستحيل أن يكون مثلها فِي الحدوث، وأنه باق، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، وأنه حكيم، لأن آثار حكمته ظاهرة فِي إتقانه للمخلوقات وتدبيره للملكوت، وأنه رحيم، لأن فِي كل ما خلق منافع لبني آدم سخر لهم ما فِي السماوات وما فِي الأرض، وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات فِي القرآن فِي معرض الاستدلال على وجوده تعالى وعلى وحدانيته.