قال - عليه الرحمة:
{مَثْلُهُمْ} زيادة كشف لحالهم وتصويرٌ غِبَّ تصويرِها بِصورة ما يؤدي إلى الخسارة بحسب المآل بصورة ما يفضي إلى الخَسار من حيث النفسُ تهويلاً لها وإبانةً لفظاعتها، فإن التمثيلَ ألطفُ ذريعةٍ إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزالِه من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلةٍ إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمعِ سَوْرةِ الجامح الأبي، كيف لا وهو رفعُ الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبرازٌ لها فِي معرض المحسوسات الجلية، وإبداءٌ للمنكر فِي صورة المعروف، وإظهارٌ للوحشي فِي هيئة المألوف، والمَثَلُ فِي الأصل بمعنى المِثْل والنظير، يقال مِثْل ومَثَل ومثيل، كشِبْهٍ وشَبَه وشبيه، ثم أطلق على القول السائر الذي يُمثّل مضرِبُه بمورده وحيث لم يكن ذلك إلا قولاً بديعاً فيه غرابةٌ صيَّرتْه جديراً بالتسيير فِي البلاد وخليقاً بالقبول فيما بين كل حاضرٍ وباد، استعير لكل حال أو صفةٍ أو قصة لها شأن عجيب، وخطرٌ غريب من غير أن يلاحَظ بينها وبين شيء ٍ آخرَ تشبيهٌ، ومنه قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ المثل الأعلى} أي الوصفُ الذي له شأن عظيم وخطر جليل، وقوله تعالى: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون} أي قصتها العجيبةُ الشأن {كَمَثَلِ الذي} أي الذين كما فِي قوله تعالى: {وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ} خلا أنه وُحِّد الضمير فِي قوله تعالى: {استوقد نَاراً} نظراً إلى الصورة، وإنما جاز ذلك مع عدم جوازِ وضعِ القائمِ مَقام القائمين، لأن المقصود بالوصف هي الجملة الواقعةُ صلةً له دون نفسه، بل إنما هو صلةٌ لوصف المعارف بها ولأنه حقيق بالتخفيف لاستطالته بصلته، ولذلك بولغ فيه فحُذف ياؤه ثم كسرتُه ثم اقتُصر على اللام فِي أسماء الفاعلين والمفعولين ولأنه ليس باسم تام بل هو كجزئه، فحقُه ألا يُجمع، ويستوي فيه الواحد والمتعدد كما هو شأن أخواته، وليس الذين جمعَه المصحح بل النونُ فيه مزيدة للدلالة على زيادة المعنى، ولذلك