قال - رحمه الله:
قَوْله تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا} يَعْنِي وَاَللَّه أَعْلَمُ قَرَارًا، كَقَوْلِهِ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا} وَقَوْلُهُ: {أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ مِهَادًا} فَسَمَّاهَا فِرَاشًا؛ وَالْإِطْلَاقُ لَا يَتَنَاوَلُهَا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِهِ مُقَيَّدًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْأَوْتَادِ لَا يُفِيدُ الْجِبَالَ، وَقَوْلُهُ: {الشَّمْسَ سِرَاجًا} وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَنَامَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ فَقَعَدَ فِي الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُعْتَادِ الْمُتَعَارَفِ مِنْ الْأَسْمَاءِ.
وَلَيْسَ فِي الْعَادَة إطْلَاقُ هَذَا الِاسْم لِلْأَرْضِ وَالشَّمْسِ.
وَهَذَا كَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْجَاحِدُ لَهُ كَافِرًا، وَسَمَّى الزَّارِعَ كَافِرًا، وَالشَّاكِّ السِّلَاحَ كَافِرًا، وَلَا يَتَنَاوَلُهُمَا هَذَا الِاسْمُ فِي الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْكَافِرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ كَثِيرَةٌ، وَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَمَا كَانَ فِي الْعَادَةِ مُطْلَقًا فُهِمَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَالْمُقَيَّدُ فِيهَا عَلَى تَقْيِيدِهِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ مَوْضِعَهُ.