فالنفاق إذا دخل القلوب كان من آثاره أن لا ينقطع عنها، ولما كان من شأن وصف النفاق أن تنمي عنه الرذائل التي قدمنا بيانها كان تكونها فِي نفوسهم متولدا من أسباب شتى فِي طباعهم متسلسلاً من ارتباط المسببات بأسبابها وهي شتى ومتفرعة وذلك بخلق خاص بهم مباشرة ولكن الله حرمهم توفيقه الذي يقلعهم عن تلك الجبلة بمحارية نفوسهم، فكان حرمانه إياهم التوفيق مقتضياً استمرار طغيانهم وتزايده بالرسوخ فإسناد ازدياده إلى الله لأنه خالق النظم التي هي أسباب ازدياده، وهذا يعد من الحقيقة العقلية الشائعة وليس من المجاز لعدم ملاحظة خلق الأسباب بحسب ما تعارفه الناس من إسناد ما خفي فاعله إلى الله تعالى لأنه الخالق للأسباب الأصلية والجاعل لنواميسها بكيفية لا يعلم الناس سرها ولا شاهدوا من تسند إليه على الحقيقة غيره وهذا بخلاف نحو بنى الأمير المدينة لا سيما بعد التصريح بالإسناد إليه فِي الكلام بحيث لم يبق للبناء على عرف الناس مجال وهذا بخلاف نحو: يزيدك وجهه حسناً وسرتني رؤيتك؛ لأن ذلك وإن كان فِي الواقع من فعل الله تعالى إلا أنه غير ملتفت إليه فِي العرف فلذلك قال الشيخ عبد القاهر: إنه من المجاز الذي لا حقيقة له.
وإنما أضاف الطغيان لضمير المنافقين ولم يقل فِي الطغيان بتعريف الجنس كما قال فِي سورة الأعراف: (202) {وإخوانُهم يُمِدُّونهم فِي الغيّ} إشارة إلى تفظيع شأن هذا الطغيان وغرابته فِي بابه وإنهم اختصوا به حتى صار يعرف بإضافته إليهم.
والظرف متعلق بيمدهم ويعمهون جملة حالية. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 289 - 293}
[فوائد لغوية وإعرابية]
قال ابن عادل:
وقوله: {الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} الله: رفع بالابتداء، و"يستهزئ": جملة فعلية فِي محلّ رفع خبر، و"بِهِمْ"متعلّق به، ولا محل لهذه الجملة لاستئنافها.
و"يَمُدُّهُمْ"يتركهم ويُمْهِلُهُمْ، وهو فِي محل رفع أيضاً لعطفه على الخَبَرِ، وهو"يستهزئ".