{أولئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأولئِكَ هُم المُفْلِحُونَ}
(أولئِك عَلَى هُدىً مِنْ رَبٍّهِمْ)
اعلم! أن المظان التي تتلمع فيها النكت: هي نظمها مع سابقتها، ثم المحسوسية فِي"أولئك"، ثم البُعْدية فيها، ثم العلو فِي"على"، ثم التنكير فِي"هدى"، ثم لفظ"من"، ثم التربية فِي"ربهم".
أما النظم، فاعلم! أن هذه مرتبطة بسابقتها بخطوط مناسبات. منها الاستيناف أي جواب لثلاثة أسئلة مقدرة:
منها: السؤال عن المثال، كأن السامع بعدما سمع أن القرآن من شأنه الهداية لأشخاص من شأنهم - بسبب الهداية - الاتصاف بأوصافٍ، أحبَّ أن يراهم وهم بالفعل تلبسوا بتلك الأوصاف متكئين على أرائك الهداية. فأجاب مُريئاً للسامع بقوله (أولئك على هدى من ربهم) .
ومنها: السؤال عن العلة، كأن السائل يقول: ما بال هؤلاء استحقوا الهداية واختصوا بها؟ فأجاب: بأن هؤلاء الذين امتزجت واجتمعت فيهم تلك الأوصاف - إن تأملت - لجديرون بنور الهداية.
فإن قلت: التفصيل السابق أجلى للعلة من الإجمال فِي"أولئك"؟
قيل لك: قد يكون الإجمال أوضح من التفصيل لاسيما إذا كان المطلوب متولداً من المجموع؛ إذ بسبب جزئية ذهن السامع، والتدرج فِي اجزاء التفصيل، وتداخل النسيان بينها، وتجلي العلة من مزج الاجزاء قد لايُتفطن لتولد العلة. فالإجمال فِي"أولئك"لاجل الامتزاج أجلى للعلية.
ومنها: السؤال عن نتيجة الهداية وثمرتها، والنعمة واللذة فيها. كأن السامع يقول: ما اللذة والنعمة؟ فاجاب بأن فيها سعادة الدارين. أي أن نتيجة الهداية نفسها
وثمرتها عينها، إذ هي بذاتها نعمة عظمى ولذة وجدانية، بل جنة الروح؛ كما أن الضلالة جهنمها. ثم بعد ذلك تثمر الفلاح فِي الآخرة.