وكرر"أولئك"تنبيهاً على أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى ثبت لهم بالفلاح، فجعلت كل واحدة من الإُثْرَتَيْنِ فِي تميزهم بها عن غيرهم بمثابة لو انفردت لكانت مميزة عن حدّها، وجاء هنا بالواو بين جملة قوله تعالى: {أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون} [الأعراف: 179] لأن الخبرين - هنا - متغايران، فاقتضى ذلك العطف، وأما تلك الآية الكريمة، فإن الخبرين فيها شيء واحد؛ لأن لتسجيل عليهم بالغَفْلَةِ، وتشبيههم بالأنعام معنى واحد، فكانت عن العَطْف بمعزل.
قال الزمخشري: وفي اسم الإشارة هو"أولئك"إيذانٌ بأن ما يراد عقبه، والمذكورين قبله أهل لاكتسابه الخَصَال التي عددت لهم، كقول حاتم: [الطويل]
وَللهِ صُعْلُوكٌ
ثم عدَّد له فاضلة، ثم عقَّب تعديدها بقوله: [الطويل]
فَذَلِكَ إِنْ يَهْلِكْ فَحُسْنَى ثَنَاؤُهُ ...
وَإِنْ عَاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفاً مُذَمَّمَاً
و"الفلاح"أصله: الشقُّ؛ ومنه قوله: [الرجز]
إّنَّ الحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلِحُ ...
ومنه قول بكر النّطاح: [الكامل]
لاَ تَبْعَثَنَّ إِلَى رَبِيعةَ غَيْرَهَا ...
إِنَّ الْحَدِيدَ بِغَيْرِهِ لا يُفْلَحُ
ويعبر به عن الفوز، والظفر بالبغية وهو مقصود الآية؛ ويراد به البقاء قال: [الرجز]
لَوْ أَنَّ حَيَّا مُدْرِكُ الفَلاَحِ ...
أَدْرَكَهُ مُلاَعِبُ الرِّمَاحِ
وقال: [الطويل]
نَحُلُّ بِلاَداً كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا ...
ونَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ
وقال: [المنسرح]
لِكُلٍّ هَمٌّ مِنَ الْهُمُومِ سَعَهْ ...
والمْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لاَ فَلاَحَ مَعَهُ
والمُفْلج - بالجيم - مثله، ومعنى التعريف فِي"المُفْلِحون"الدلالة على أن المتقين هم الناي أي: أنهم الذين إذا حصلت صفةُ المفلحين فهم هم كما تقول لصاحبك: هل عرفت السد، وما جُبِلَ عليه من فرط الإقدام؟ إن زيداً هو هو. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 1 صـ 302 - 305} . بتصرف يسير.