(فصل)
قال الحَلِيمي:
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) }
(القسم الأول باب البيان عن حقيقة الإيمان)
(الإيمان) اسم مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف، كما قال تبارك وتعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} ، ومعناه والغرض الذي يراد به عند إطلاقه هو التصديق والتحقيق لأن الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب والأمر والنهي كل واحد منهما قول يتردد بين أن يطاع قائله وبين أن يعصى، فمن سمع خبراً فلم يستشعر في نفسه جواز أن يكون واعتقد أنه حق وصدق، فإنما أمن نفسه باعتقاد فيما سمع من أن يكون مكذوباً له ملبساً عليه، ومن سمع أمراً ونهياً واعتقد الطاعة له، فكأنما أمن نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع من أن يكون مظلوماً أو مستسخراً، أو محمولاً على ما لا يلزمه قبوله والانقياد له، فمن ذهب إلى هذا المعنى أنزل قول القائل: أمنت بكذا، والمراد نفسي منزلة قولهم ووطنت نفسي على كذا، أو حملت نفسي على كذا، أو رضيت نفسي أو ذللتها، وصنت نفسي عن كذا بمعنى أمنت، أي بدا لي صدق وما سمعت بأذني، وحق ما أدركته بعقلي، واعتقدته أمناً من الخطأ فيه، ويكون تركهم ذكر النفس في قولهم: أمنت، اختصاراً لما قد كثر استعماله كما يقال بسم الله بمعنى بدأت، أو ابدأ باسم الله، وحذف ذكر الابتداء لكثرة الاستعمال. والله أعلم.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون معنى أمنت، أي أمنت مخبري أو الداعي لي من التكذيب، والخلاف بما صرحت له به من التصديق والوفاق، فإذا قيل: آمنت بالله، فالمعنى أمنت الداعي إلى الله من الخلاف والتكذيب بما أظهرت له من الوفاق والتصديق والإيمان بالرسول، إيمانه في نفسه من الشقاق عليه بإظهار التصديق له.
والإيمان بالملائكة والكتب إيمان المخبر عنها من الخلاف بإظهار الوفاق.