قوله: {لاَ تُفْسِدُواْ} "لا"نهي.
والفساد ضدّ الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدّها.
فَسَد الشيء يَفْسِدُ فَساداً وفُسوداً وهو فاسد وفِسيد.
والمعنى فِي الآية: لا تُفسدوا فِي الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
وقيل: كانت الأرض قبل أن يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها الفساد، ويفعل فيها بالمعاصي؛ فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم ارتفع الفساد وصلحت الأرض.
فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا فِي الأرض بعد إصلاحها؛ كما قال فِي آية أخرى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 56] . انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 202}
[فائدة]
قال ابن عاشور:
يظهر لي أن جملة {وإذا قيل لهم} عطف على جملة {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] ؛ لأن قوله: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا فِي الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} إخبار عن بعض عجيب أحوالهم، ومن تلك الأحوال أنهم قالوا {إنما نحن مصلحون} فِي حين أنهم مفسدون فيكون معطوفاً على أقرب الجمل الملظة لأحوالهم وإن كان ذلك آيلاً فِي المعنى إلى كونه معطوفاً على الصلة فِي قوله: {من يقول آمنا بالله} [البقرة: 8] .
و (إذا) هنا لمجرد الظرفية وليست متضمنة معنى الشرط كما أنها هنا للماضي وليست للمستقبل وذلك كثير فيها كقوله تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم فِي الأمر} [آل عمران: 152] الآية.
ومن نكت القرآن المغفول عنها تقييد هذا الفعل بالظرف فإن الذي يتبادر إلى الذهن أن محل المذمة هو أنهم يقولون {إنما نحن مصلحون} مع كونهم مفسدين، ولكن عند التأمل يظهر أن هذا القول يكون قائلوه أجدر بالمذمة حين يقولونه فِي جواب من يقول لهم {لا تفسدوا فِي الأرض} فإن هذا الجواب الصادر من المفسدين لا ينشأ إلا عن مرض القلب وأفن الرأي، لأن شأن الفساد أن لا يخفى ولئن خفي فالتصميم عليه واعتقاد أنه صلاح بعد الإيقاظ إليه والموعظة إفراط فِي الغباوة أو المكابرة وجهل فوق جهل.
وعندي أن هذا هو المقتضى لتقديم الظرف على جملة {قالوا ...} ، لأنه أهم إذ هو محل التعجيب من حالهم، ونكت الإعجاز لا تتناهى. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 279 - 280}