فصل
قال الفخر:
الذين قالوا {إنما نحن مصلحون} هم المنافقون، والأقرب فِي مرادهم أن يكون نقيضاً لما نهوا عنه، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد فِي الأرض كان قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} كالمقابل له، وعند ذلك يظهر احتمالان: أحدهما: أنهم اعتقدوا فِي دينهم أنه هو الصواب، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، لا جرم قالوا: إنما نحن مصلحون، لأنهم فِي اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد.
وثانيهما: أنا إذا فسرنا {لاَ تُفْسِدُواْ} بمداراة المنافقين للكفار فقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} يعني به أن هذه المداراة سعي فِي الإصلاح بين المسلمين والكفار، ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} [النساء: 62] فقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي نحن نصلح أمور أنفسنا.
واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه، وتجويز خلافه لا يطعن فيه، وتوبة الزنديق مقبولة والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 60 - 61}
[فائدة]
قال ابن عاشور:
والقائل لهم {لا تفسدوا فِي الأرض} بعض من وقف على حالهم من المؤمنين الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلماً بأن النبيء صلى الله عليه وسلم يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية.