[فوائد لغوية وإعرابية]
قال ابن عادل:
"يَكَادُ"مضارع"كَادَ"، وهي للِمُقَارَبَةِ الفعل، تعمل عمل"كان"إلاَّ أن خبرها لا يكون إلاَّ مُضَارعاً، وشذَّ مجيئُهُ اسماً صريحاً؛ قال: [الطويل]
فَأُبْتُ إلّى فَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آيباً ...
وَكَمْ مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وَهِيَ تَصْفِرُ
والأكثر فِي خبرها تجرّده من"أن"، عكس"عسى"، وقد شذّ اقترانه بها؛ قال رُؤْبَة: [الرجز]
قَدْ كَادَ مِنْ طُولِ البِلَى أَنْ يَمْحَصَا ...
لأنها لمقاربة الفعل، و"أَنْ"تخلص للاستقبال، فتنافيا.
واعلم أن خبرها - إذا كانت هي مثبتة - منفيٌّ فِي المعنَى، لأنها للمقاربة.
فإذا قلت:"كَادَ زَيْدٌ يَفْعَلُ"كان معناه: قارب الفعل إلاّ أنه لم يفعل، فإذا نُفِيَتِ، انتفى خبرها بطريق الأولَى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أوبى؛ ولهذا كان قوله تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] أبلغ من أن لو قيل: لَمْ يَرَهَا، لأنه لم يقارب الرُّؤْيَة، فكيف له بها؟
وزعم جماعة منهم ابن جِنِّي، وأبو البَقَاءِ، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي؛ حتى ألغز بعضُهُمْ فيها؛ فقال: [الطويل]
أَنحويَّ هَذَا العَصْرِ مَا هِيَ لَفظةٌ ... جَرَتْ فِي لِسَانَيْ جُرْهُمٍ وَثَمُودِ
إِذَا نُفِيتْ - والله أَعْلَمُ - أُثْبِتَتْ ... وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
وحكوا عن ذي الرَّمَّة أنه لما أنشد قولَهُ: [الطويل]
إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
عيب عليه؛ لأنه قال:"لم يكد يَبْرَحُ"، فيكون قد بَرِحَ، فغيَّره إلى قوله:"لَمْ يَزَلْ"أو ما هو بمعناه.
والذي غرَّ هؤلاء قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] قالوا:"فهي هنا منفية"وخبرها مثبت فِي المعنى؛ لأن الذبح وقع لقوله:"فَذَبَحُوهَا"، والجواب عن هذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنه يحمل على اختلاف وقتين، أي: ذبحوها فِي وقت، وما كادوا يفعلون فِي وقت آخر.
والثاني: أنه عبّر بنفي مُقَاربة الفعل عن شدَّة تعنُّتهم، وعسرهم فِي الفعل.
وأما ما حكَوْهُ عن ذي الرُّمَّة، فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرمَّة فِي رجوعِهِ عن قوله الأوَّل، وقالوا:"هو أبلغُ وأحْسَنُ مما [غيَّره إليه] ."