(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
إن سأل سائل عن قوله تعالى (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15) ..
فقال كيف أضاف الاستهزاء إليه تعالى وهو مما لا يجوز في الحقيقة عليه وكيف خبر بأنه يمدهم في الطغيان والعمه وذلك بخلاف مذهبكم .. ؟
الجواب قلنا في قوله تعالى (الله يستهزئ بهم) وجوه ..
أولها: أن يكون معنى الاستهزاء الذي أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم وتخطئنه إياهم في إقامتهم على الكفر وإصرارهم على الضلال وسمى الله تعالى ذلك استهزاء مجازا واتساعا كما يقول القائل إن فلانا ليستهزأ به منذ اليوم إذا فعل فعلا عابه الناس به وخطؤوه فأقيم عيب الناس على ذلك الفعل وازراؤهم على فاعله مقام الاستهزاء به وإنما أقيم مقامه لتقارب ما بينهما في المعنى لأن الاستهزاء الحقيقي هو ما يقصد به إلى عيب المستهزأ به والازراء عليه وإذا تضمنت التخطئة والتجهيل والتبكيت هذا المعنى جاز أن يجري اسم الاستهزاء عليه ويشهد بذلك قوله تعالى (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها) ونحن نعلم أن الآيات لا يصح عليها الاستهزاء ولا السخرية في الحقيقة وإنما المعنى إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويزري عليها والعرب قد تقيم الشيء مقام ما قاربه في معناه فتجرى عليه اسمه ..
قال الشاعر:
كم من أناس في نعيم عمروا * في ذرى ملك تعالى فبسق سكت الدهر زمانا عنهم * ثم أبكاهم دما حين نطق والسكوت والنطق على الحقيقة لا يجوزان على الدهر وإنما شبه تركه الحال على ما هي عليه بالسكوت وشبه تغييره لها بالنطق وأنشد الفراء
إن دهرا يلف شملى بجمل * لزمان يهم بالإحسان ومثل ذلك في الاستعارة لتقارب المعنى سألتنى عن أناس هلكوا * شرب الدهر عليهم وأكل وإنما أراد بالاكل والشرب الإفساد لهم والتغيير لأحوالهم ..
ومثله يقر بعينى أن أرى باب دارها * وإن كان باب الدار يحسبنى جلدا ..
والجواب الثاني أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه تعالى أن يستدرجهم ويهلكهم من حيث لا يعلمون ولا يشعرون ..
ويروي عن ابن عباس أنه قال في معنى استدراجه إياهم إنهم كانوا كلما أحدثوا خطيئة جدد لهم نعمة وإنما سمى هذا الفعل استهزاء من حيث غيب تعالى عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم كما أن المستهزئ منا المخادع لغيره يضمر أمرا ويظهر غيره ..