وسادسها: أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية فِي الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة، وحصل فِي المنافقين نهاية الحيرة فِي باب الدين ونهاية الخوف فِي الدنيا لأن المنافق يتصور فِي كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق.
وسابعها: المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ فِي الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة، والمراد من قوله: {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ} أنه متى حصل لهم شيء من المنافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون فِي الدين: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع فحينئذٍ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه، فهذه الوجوه ظاهرة فِي التشبيه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 70 - 71}
{أو} للتخيير، معناه مثلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحد الأمرين، وقوله: {أو كصيّب} معطوف على {كمثل الذي} . وقال الطبري: {أو} بمعنى الواو.
قال القاضي أبو محمد وهذه عجمة، والصيب المطر من صاب يصوب إذا انحط من علو إلى سفل، ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل]
كأنهمُ: صابتْ عليهمْ سحابةٌ ... صواعقها لطيرِهِنَّ دبيبُ
وقول الآخر: [الطويل]
فلستِ لإنسيٍّ ولكن لملأكٍ ... تنّزلَ من جوِّ السماءِ يصوبُ
وأصل صيّب صَيْوب اجتمع الواو والياء وسبقت إحدهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، كما فعل فِي سَيّد ومَيّت.