ومن البطون القرآنية التي ذكرها ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم أن الآية مثل من دخل طريقة الأولياء بالتقليد لا بالتحقيق فعمل عمل الظاهر وما وجد حلاوة الباطن فترك الأعمال بعد فقدان الأحوال، أو مثل من استوقد نيران الدعوى وليس عنده حقيقة المعنى فأضاءت ظواهره بالصيت والقبول فأفشى الله تعالى نفاقه بين الخلق حتى نبذوه فِي الآخر ولا يجد مناصاً من الفضيحة يوم تبلى السرائر، وقال أبو الحسن الوراق: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم يصحح أحوال الإرادة فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر فكان يضيء عليه أحوال إرادته لو صححها بملازمة آدابها فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله تعالى عنه تلك الأنوار وبقي فِي ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها، نسأل الله تعالى العفو والعافية ونعوذ به من الحور بعد الكور. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 163 - 168}
قال - رحمه الله:
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} .
أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها فِي صورة واحدة، بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة، وهذه طريقة تشبيه التمثيل، إلحاقاً لتلك الأحوال المعقولة بالأشياء المحسوسة، لأن النفس إلى المحسوس أميل.
وإتماماً للبيان بجمع المتفرقات فِي السمع، المطالة فِي اللفظ، فِي صورة واحدة لأن للإجمال بعد التفصيل وقعاً من نفوس السامعين.
وتقريراً لجميع ما تقدم فِي الذهن بصورة تخالف ما صور سالفاً لأن تجدد الصورة عند النفس أحب من تكررها.
قال فِي"الكشاف":"ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المِثل والنظائر شأن ليس بالخفي فِي إبراز خبيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل فِي صورة المحقق والمتوهم فِي معرض المتيقن والغائب كالمشاهد".
واستدلالاً على ما يتضمنه مجموع تلك الصفات من سوء الحالة وخيبة السعي وفساد العاقبة، فمن فوائد التشبيه قصد تفظيع المشبه.