20 -قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20] . (كاد) موضوع عند العرب لمقاربة الفعل، فإذا نفيت في اللفظ كان في المعنى إثباتا، وإذا أثبت كان نفيًا، بيانه أنك تقول: كاد يضربني، فهذا إثبات في اللفظ نفي للضرب، لأن معناه قرب من الضرب ولم يضرب، وإذا قلت: ما كاد يفعل كذا، فهذا نفي في اللفظ، إثبات في المعنى، لأنه قرب من ترك الفعل، وقد فعله بعد بطء.
قال ابن الأنباري: (قال اللغويون: كدت أفعل، معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل، معناه: فعلت بعد إبطاء هذا معنى(كاد) ، وقد تستعمل بغير هذا المعنى، وسنذكر ذلك عند قوله: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] .
وذكر أبو بكر بإسناده أن ذا الرمة الشاعر قدم الكوفة فأنشد [بالكُناسة] وهو على راحلته قصيدته (الحائية) ، فلما انتهى إلى قوله:
إِذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسيِسُ الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَح
قال له عبد الله بن شبرمة: فقد برح يا ذا الرمة! ففكر ساعة ثم قال: لَمْ أَجِدْ رسيِسَ ... الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّهَ يَبْرَحُ
ومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج تخطف قلوبهم من شدة إزعاجها إلى النظر في أمر دينهم.
وقال ابن عباس في رواية مقاتل والضحاك: معناه: يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم.
وقوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} . {أَضَاءَ} هاهنا إن كان متعديا فالمفعول محذوف، وكأنه قيل: كلما أضاء لهم الطريق، ويجوز أن يكون لازما بمعنى (ضاء) .
قال ابن عباس: يقول: إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا، وإذا سمعوا شيئاً من شرائع النبي صلى الله عليه وسلم مما يكرهون وقفوا عنه، وذلك قوله تعالى: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} .
وقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها. كأصحاب الصيب إذا أضاء لهم البرق فأبصروا الطريق مشوا، فإذا عادت الظلمة وقفوا متحيرين. ومثله قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج:11] . وقيل: شبه الغنيمة بالبرق، يقول: الطمع في الغنيمة يزعج قلوبهم، {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ} : أي كثرت الغنائم